أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

القرعان يكتب: عندما تتحول الإدارة إلى عبء على الإعلام


د. محمد كامل القرعان

القرعان يكتب: عندما تتحول الإدارة إلى عبء على الإعلام

مدار الساعة ـ

يفترض بالإدارة في المؤسسات الإعلامية أن تكون أداة تمكين، لا عائقًا، وأن تشكّل رافعة للعمل الصحفي بدل أن تتحول إلى عبء يرهق الأداء ويحدّ من الفاعلية. غير أن الواقع يشير إلى أن بعض البيئات الإعلامية ما زالت تعاني من ممارسات إدارية تقليدية أثقلت كاهل الإعلام، وأسهمت في إضعاف رسالته، وأفقدته جزءًا من قدرته على التأثير والمبادرة.

إن ما يُعرف بـ«الحرق الإداري» بات ظاهرة ملموسة في عدد من المؤسسات الإعلامية، حيث تتراكم القرارات البيروقراطية، وتُستهلك الطاقات المهنية في إجراءات شكلية، وتفقد السرعة المطلوبة لمجاراة الحدث الإعلامي المتسارع. ففي زمن تُصنع فيه الرواية خلال دقائق، لا يزال بعض الإعلام محكومًا بدوائر موافقات طويلة، وتعليمات متداخلة، وعقليات تخشى الخطأ أكثر مما تبحث عن التميز.

وتبرز إشكالية البيروقراطية بوصفها أحد أبرز أسباب هذا العبء الإداري، حين تُغلب الورق على المضمون، والتسلسل الوظيفي الجامد على روح الفريق، مما ينعكس سلبًا على طبيعة المنتج الإعلامي. فالصحفي أو الإعلامي الذي يُستنزف إداريًا، يصعب عليه أن يكون مبدعًا، أو مبادرًا، أو حاضرًا بقوة في معركة الوعي العام.

كما أن الحرق الإداري لا يترك أثره على الأداء فقط، بل يمتد ليطال الروح المعنوية للعاملين في الحقل الإعلامي. فغياب التقدير، وتهميش الكفاءات، وتكرار الأعباء دون رؤية واضحة، يؤدي إلى الإحباط، ويغذي ثقافة الحد الأدنى من الإنجاز، بدلًا من ثقافة التنافس المهني والإبداع. وهذا الواقع ينعكس حتمًا على مستوى الثقة بين المؤسسة الإعلامية وجمهورها.

ولا يعني الحديث عن هذه الإشكاليات الدعوة إلى الفوضى أو إلغاء الأطر التنظيمية، بل التأكيد على ضرورة الانتقال من عقلية الإدارة المتحكمة إلى الإدارة الممكنة، التي تثق بالعاملين، وتحترم التخصص، وتفصل بين القرار الإداري والقرار المهني. فالإعلام بطبيعته قطاع ديناميكي، لا يحتمل الجمود، ولا ينجح في بيئة تخضع لمنطق الخوف من المسؤولية.

وإذا كان الإعلام يُراهن عليه بوصفه شريكًا في حماية الاستقرار، والدفاع عن القضايا الوطنية، وبناء الرأي العام الواعي، فإن تحميله أعباء إدارية مرهقة يقوض هذا الدور، ويضعف حضوره في لحظات مفصلية تتطلب سرعة وحسمًا ومبادرة. فالإعلام الذي يُدار بعقلية الأمس، يصعب عليه مواجهة تحديات اليوم، فضلًا عن رهانات الغد.

إن تجاوز هذه المعضلة يتطلب مراجعة جادة للهياكل الإدارية في المؤسسات الإعلامية، وتحديث آليات العمل، وتبسيط الإجراءات، وإشراك الإعلاميين في صنع القرار المتعلق بعملهم. كما يتطلب الأمر الاستثمار في القيادة الإعلامية الواعية التي تدرك أن النجاح لا يُقاس بعدد التعليمات، بل بقدرة المؤسسة على التأثير والموثوقية.

ختامًا، عندما تتحول الإدارة إلى عبء على الإعلام، فإن الرسالة تخسر، والجمهور يتراجع، والتأثير يبهت. أما حين تُدار المؤسسات الإعلامية بعقل إصلاحي، مرن، ومهني، فإن الإعلام يستعيد دوره الطبيعي كقوة ناعمة، وحارس للوعي، وشريك فاعل في خدمة المجتمع والدولة.

مدار الساعة ـ