ليست الخلافات الزوجية، في أصلها، سوى ظاهرة إنسانية طبيعية، تنشأ من احتكاك الطباع وتباين الرؤى وضغط الحياة اليومية، غير أن ما يثير الفزع حقًا هو ذلك الانزلاق الحاد من دائرة الخلاف إلى هاوية العنف الأعمى، حيث يتحول البيت - الذي يفترض أن يكون ملاذًا للأمان - إلى مسرحٍ للفاجعة، ويغدو الأطفال، وهم الحلقة الأضعف، ضحايا صامتين في حربٍ لم يختاروها يومًا.
في السنوات الأخيرة، تناهت إلى الأسماع أخبار تقشعر لها الأبدان: أمٌّ تُطلق الرصاص على طفليها ثم تنهي حياتها (الرمثا)، أبٌ ينحر أطفاله الثلاثة (الكرك)، وآخر يقتل طفله ويحرقه (رام الله)، وغيرهم في أقطار عربية، لا لشيء إلا نكايةً بشريك الحياة. هنا، لا يعود الفعل جريمةً فردية معزولة، بل يتجاوز ذلك ليغدو مؤشرًا مقلقًا على تصدّعٍ عميق في البنية النفسية والاجتماعية، وعلى خللٍ في منظومة القيم التي تحكم العلاقات داخل الأسرة.إنّ أخطر ما في هذه الجرائم أنها تُرتكب باسم الحب الجريح أو الكرامة المجروحة أو الرغبة في الانتقام. فحين يتحول الطفل إلى وسيلة ضغط أو أداة ثأر، نكون أمام انحدار أخلاقي حاد، حيث يُختزل الإنسان – الطفل - إلى رسالة دامية تُوجَّه للطرف الآخر. وهذا التحول لا يحدث فجأة؛ بل هو نتيجة تراكمات من القهر، والعجز عن إدارة الخلاف، وغياب مهارات الحوار، وربما أيضًا نتيجة اضطرابات نفسية لم تجد من يحتويها أو يعالجها.في مجتمعاتنا، ما تزال ثقافة "كسر العظم" في العلاقات حاضرة، حيث يُنظر إلى الانفصال أو الطلاق بوصفه هزيمةً ينبغي تعويضها بانتصارٍ ما، ولو كان هذا "الانتصار" وهميًا ومدمّرًا. يتضخم الأنا، ويضيق أفق الرؤية، فيُمحى حضور الأطفال ككائنات لها حقوقها ومشاعرها ومستقبلها، ويُختزلون في معادلة صراع لا ترحم.ولعلّ من المؤلم أن هذه المآسي لا تقع في فراغ؛ فهي تتغذى على صمتٍ اجتماعي طويل، وعلى تقصير في مؤسسات الإرشاد الأسري، وعلى ضعف في التوعية النفسية، وعلى منظومات قانونية قد لا توفّر الحماية الكافية في الوقت المناسب. كما أنّ وصمة اللجوء إلى العلاج النفسي أو الاستشارة الأسرية ما تزال تحول دون طلب المساعدة قبل أن يبلغ الاحتقان ذروته.إنّ الحاجة اليوم ليست فقط إلى إدانة هذه الأفعال - وهي مدانة بلا شك - بل إلى تفكيك جذورها: كيف نعلّم أبناءنا إدارة الغضب؟ كيف نؤسس لثقافة حوار داخل الأسرة؟ كيف نمنح الأزواج أدوات حقيقية لحل النزاعات دون أن تتحول إلى معارك كسر إرادات؟ وكيف نبني شبكات أمان نفسي واجتماعي تتدخل قبل فوات الأوان؟الأطفال ليسوا ملكيةً لأحد، ولا أوراقًا في لعبة شدّ الحبال؛ إنهم كائنات هشّة، تُصاغ أرواحها في كنف الأمان أو تتشظّى في أتون الخوف. وكل رصاصة تُطلق داخل البيت، وكل سكينٍ تُرفع في وجه طفل، ليست جريمةً بحق فردٍ فحسب، بل هي طعنة في ضمير المجتمع بأسره.ربما آن الأوان أن نعيد تعريف الانتصار في العلاقات الإنسانية: ليس أن نكسر الآخر، بل أن ننجو جميعًا بأقل قدرٍ ممكن من الخسائر. وأن نُدرك أن نهاية علاقة لا تعني نهاية الإنسانية، وأن الانفصال، مهما كان موجعًا، يظل أرحم بكثير من أن يتحول البيت إلى مقبرة، والذكريات إلى رماد.الطفولة المهدورة في أتون الخلافات الزوجية
الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
مدار الساعة ـ