أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أحزاب أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حدادين يكتب: المغطس إلى أين؟


المحامي الدكتور يزن دخل الله حدادين

حدادين يكتب: المغطس إلى أين؟

مدار الساعة ـ

المغطس في نهر الأردن موضوع لم يعد مجرد نقاش موسمي بل أصبح قضية اقتصادية وثقافية تحتاج إلى مواجهة حقيقية بعيداً عن لغة المجاملات والتبريرات التقليدية.

وفق البيانات الرسمية المتداولة مؤخراً بلغ عدد زوار موقع المغطس، موقع معمودية السيد المسيح، خلال شهري كانون الثاني وشباط الماضيين قرابة 25 ألف زائر، منهم نحو 23 ألف أجنبي فقط، في وقت يتم فيه الترويج لهذا الموقع على أنه أحد أكثر الأماكن قداسة على وجه الأرض لجميع الطوائف المسيحية، أي لما يقارب ثلاثة مليارات مسيحي حول العالم.

المؤلم في القضية ليس الرقم وحده، بل طريقة تقديمه للرأي العام وكأنه إنجاز استثنائي يستحق الاحتفال، خاصة مع الحديث الرسمي عن ارتفاع بنسبة 135%. فحين يكون الموقع مصنفاً عالمياً وحين يكون المكان مرتبطاً مباشرة ببداية الديانة المسيحية وبحدث ديني مقدس لمليارات البشر فإن الوصول إلى بضعة آلاف من الزوار فقط خلال شهرين لا يمكن اعتباره نجاحاً حقيقياً مهما كانت نسب النمو المعلنة.

المشكلة الأعمق أن الخطاب الرسمي ما زال يعتمد على تبرير التراجع أو ضعف الأرقام بعوامل خارجية. مرة حرب غزة، ومرة التوترات الإقليمية وحرب إيران، ومرة جائحة كورونا، وكأن القطاع لا يواجه أي خلل داخلي في التخطيط أو التسويق أو الإدارة.

نعم، المنطقة تمر بظروف صعبة، لكن الحقيقة التي يجب الاعتراف بها أن أعداد الزوار قبل هذه الأزمات أيضاً لم تكن بالمستوى الذي ينسجم مع القيمة الدينية الهائلة للمغطس ولا مع الإمكانات التاريخية والروحية التي يمتلكها الأردن في ملف الحج المسيحي. حتى في السنوات التي اعتُبرت جيدة، بقيت الأرقام متواضعة مقارنة بما يمكن تحقيقه فعلياً.

السؤال الحقيقي اليوم: أين المشروع الوطني المتكامل لموقع المغطس؟ وأين الرؤية طويلة المدى؟ وأين الحملات العالمية المؤثرة التي تخاطب الكنائس الكبرى ومؤسسات الحج المسيحي حول العالم؟

لا يكفي تنظيم بعض المؤتمرات المتواضعة وإطلاق التصريحات الإعلامية ثم انتظار المعجزات. العالم اليوم يعتمد على التسويق الذكي، والشراكات الدولية، وربط التجربة الدينية بتجربة ثقافية وسياحية متكاملة تجعل الزائر يقيم أياماً و ليس ساعات، وينفق أموالاً تنعكس مباشرة على الاقتصاد الوطني وفرص العمل والتنمية المحلية.

الأردن يمتلك كنزاً دينياً وتاريخياً لا تملكه دول كثيرة. فالمغطس ليس مجرد موقع أثري، بل رمز ديني عالمي زاره باباوات الفاتيكان واعترفت به الكنائس الكبرى كموقع حج رئيسي للمسيحيين. كما تم مؤخراً تدشين كنيسة معمودية السيد المسيح التي وُصفت بأنها من أكبر الكنائس في الشرق الأوسط، في خطوة كان يفترض أن تتحول إلى حدث عالمي ضخم يستقطب مئات آلاف الحجاج سنوياً، لا أن تبقى الأرقام محدودة بهذا الشكل المحبط.

الأردن لا يعاني من نقص في المقومات، بل من غياب الجرأة في الاعتراف بالتقصير، وغياب الإدارة السياحية الحقيقية القادرة على المنافسة عالمياً. فمن غير المنطقي أن تمتلك المملكة أحد أقدس المواقع المسيحية على الأرض، ثم تبقى خارج خريطة الحج المسيحي العالمي بالشكل الذي تستحقه.

كما أن الاكتفاء بتكرار عبارة "الأردن بلد آمن" لم يعد كافياً، لأن العالم يريد خططاً عملية وتجارب متكاملة وخدمات متطورة وربطاً حقيقياً بين شركات الطيران والفنادق والمسارات الدينية والمناسبات الكنسية العالمية.

المطلوب اليوم ليس المزيد من الأرقام الاحتفالية، بل برنامج وطني منهجي واضح المعالم، يبدأ بإعادة تقييم كاملة لملف السياحة الدينية، مروراً بتطوير البنية التحتية والخدمات والتسويق الدولي، وصولاً إلى خلق هوية عالمية للمغطس كوجهة حج رئيسية للمسيحيين في العالم.

كما يجب إشراك القطاع الخاص والكنائس العالمية وشركات السياحة الكبرى في خطة مستدامة لا تعتمد على ردود الفعل المؤقتة.

الاعتراف بالمشكلة ليس إساءة، بل بداية الحل. أما الاستمرار في تقديم الأعذار والتحديات كعنوان دائم، فلن يغيّر شيئاً.

المغطس يستحق أكثر، والأردن يستحق أكثر، وهذا الأمر يجب أن يتحول من ملف موسمي هامشي إلى مشروع اقتصادي واستراتيجي حقيقي يعكس مكانة هذه الأرض المقدسة أمام العالم كله.

مدار الساعة ـ