أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين أحزاب مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

القيسي يكتب: ما هكذا تورد الليبرالية!


جمال القيسي

القيسي يكتب: ما هكذا تورد الليبرالية!

مدار الساعة ـ

ظهرت في المشهد الأردني خلال الآونة الأخيرة مبادرة ترفع راية الليبرالية، يقف خلفها عدد محدود من الأشخاص لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة، لكنها اختارت منذ بدايتها أن تبني حضورها على الصدام مع مختلف مكونات المجتمع السياسية والفكرية والحزبية، وكأن الاختلاف لا يتحقق إلا عبر الاستفزاز، أو أن إثبات الوجود يقتضي الاشتباك مع المزاج العام وقيمه السائدة.

وقد وجدت هذه المبادرة في ضعف الخطاب السياسي لدى بعض المحافظين واليمينيين والإسلاميين والتقليديين فرصة مناسبة للظهور؛ فبنت خطابها على فكرة التمايز الحاد عن المجتمع، لا على تقديم مشروع فكري ناضج أو رؤية سياسية واقتصادية متماسكة. وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية؛ إذ تحوّل مفهوم الليبرالية، بما يحمله من إرث فلسفي وسياسي عميق، إلى مجرد أداة للفت النظر وإثارة الجدل.

ولذلك لم يكن مستغربا أن تُقابل هذه الاندفاعة الليبرالية والتهور في التعاطي مع العمل العام بحالة واسعة من الاستياء الشعبي والنخبوي، إلى الحد الذي دفع كثيرين إلى اعتبارها تشويها لجوهر الفكر الليبرالي نفسه، وخدمة مجانية لخصومه أكثر من كونها دفاعا عنه أو تطويرا له؛ فالأفكار العظيمة لا تُقدَّم بوصفها تحديا أخلاقيا للمجتمع، ولا تُختزل في معارك رمزية ضيقة، بل تُطرح باعتبارها مشروعا للإصلاح السياسي والاقتصادي وتوسيع الحريات العامة وتعزيز دولة القانون.

إن الدخول في مواجهة مباشرة مع التيارات المحافظة واستعداءها منذ اللحظة الأولى يكشف خللا فادحا في فهم الخريطة السياسية وطبيعة الفضاء العام والمجتمع الأردني والعربي عموما؛ لأن العمل السياسي الرشيد لا يقوم على صناعة الخصومات المجانية، بل على "خصوصية المجتمعات" بناء المساحات المشتركة وإدارة الاختلاف ضمن السياق المجتمعي والثقافي القائم.

أما الخطأ الأكبر، فهو تنحية الليبرالية الاقتصادية جانبا، وإهمال الأسئلة المرتبطة بالإصلاح الإداري والعدالة الضريبية وحرية السوق وتكافؤ الفرص، مقابل اختزال الليبرالية الاجتماعية في قضايا صدامية محددة، وعلى رأسها المثلية الجنسية، وكأن هذا الملف وحده يمثل جوهر الفكر الليبرالي وتاريخه الفلسفي والسياسي.

إن هذا الاختزال لا يخدم الليبرالية بقدر ما يضعها في مواجهة عبثية مع المجتمع، ويحوّلها من مشروع فكري متكامل إلى خطاب استفزازي محدود الأفق؛ فالنجاح السياسي لأي تيار لا يتحقق عبر القطيعة مع بيئته الاجتماعية، بل عبر فهم هذه البيئة، واحترام خصوصيتها، والتدرج في طرح الأفكار، وربط الحريات بمفهوم أوسع للإصلاح والكرامة الإنسانية والتنمية السياسية.

الليبرالية، في جوهرها، ليست صدمة ثقافية، ولا تمرّدا شكليا على المجتمع، بل فلسفة سياسية تقوم على الحرية المسؤولة، والعقد الاجتماعي، واحترام الإنسان والدولة والقانون. وما عدا ذلك لن تكون سوى ضجيج عابث بنبرةٍِ منفرة.

مدار الساعة ـ