في المراحل التي تبدأ فيها الدول بتنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى وإعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية والإدارية، تظهر عادةً ما يمكن تسميته بـ”قوى الشد العكسي”، وهي قوى تحاول إبطاء التغيير أو إعادة توجيه المشهد السياسي والإداري بما يخدم مصالح معينة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو حتى بيروقراطية.
وفي الأردن، ومع بدء العمل على مشاريع استراتيجية ضخمة مثل الناقل الوطني للمياه، وتطوير غاز الريشة، وسكة الحديد، ومشاريع الأمونيا والهيدروجين الأخضر، عاد المشهد السياسي والإعلامي ليتجه بقوة نحو ملفات الفساد، والتصعيد في الخطاب العام، وإعادة فتح قضايا قديمة، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة لدى الشارع الأردني: لماذا الآن؟ وهل الهدف فقط مكافحة الفساد، أم أن هناك أيضاً محاولات للضغط السياسي باتجاه تعديل وزاري أو حتى تغيير الحكومة؟لا أحد يختلف على أن محاربة الفساد واجب وطني وأخلاقي، وأن حماية المال العام أساس لبناء الثقة بين الدولة والمواطن. لكن في المقابل، من الضروري التمييز بين مكافحة الفساد كنهج مؤسسي وقانوني، وبين استخدام ملفات الفساد كأدوات ضغط أو تصفية حسابات أو حملات إعلامية مفتوحة.الخطورة لا تكمن في فتح ملفات الفساد، بل في طريقة إدارتها. فعندما تتحول القضايا إلى مادة يومية للتشهير عبر المنابر ومنصات التواصل الاجتماعي، فإن الضرر لا يقع فقط على الأشخاص، بل يمتد إلى مؤسسات الدولة وثقة المواطن بالإدارة العامة، وحتى إلى صورة الأردن الاستثمارية والاقتصادية.الأردن عاش تجربة صعبة بعد عام ٢٠١١، حين دخلت الإدارة العامة في حالة من الخوف والتردد وضعف اتخاذ القرار نتيجة حالة التصعيد المستمر والاتهامات المتبادلة. وما زلنا حتى اليوم نعاني من آثار تلك المرحلة، حيث أصبح كثير من المسؤولين يتجنبون اتخاذ القرار خوفاً من الاستهداف أو التشهير، وهو ما أضعف الكفاءة الإدارية وأبطأ الإنجاز في العديد من الملفات.ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس التراجع عن محاربة الفساد، بل العكس تماماً؛ المطلوب هو ترسيخها ضمن الأطر القانونية والمؤسساتية الصحيحة، بعيداً عن الشعبوية أو الاستثمار السياسي. فالدولة القوية هي التي تحاسب عبر القضاء والمؤسسات الرقابية، لا عبر حملات الضغط والتسريب والإثارة الإعلامية.الأردن يقف اليوم أمام فرصة اقتصادية مهمة، مع انطلاق مشاريع استراتيجية تمس الأمن المائي والطاقة والنقل والاستثمار. وهذه المشاريع تحتاج إلى بيئة مستقرة، وإدارة قادرة على اتخاذ القرار، وثقة داخلية وخارجية بمؤسسات الدولة.أما تحويل المشهد العام إلى حالة من التصعيد السياسي المستمر، أو استخدام ملفات الفساد كـ”متفجرات” يتم تفجيرها عند الحاجة، فإنه لا يخدم الإصلاح الحقيقي، بل قد يعيد إنتاج حالة من الإرباك الإداري والسياسي نحن بغنى عنها.النقد والمساءلة حق، ومحاربة الفساد واجب، لكن حماية الدولة واستقرارها الاقتصادي والإداري واجب أكبر. فالأوطان لا تُبنى بالصراخ والتشهير، بل بالمؤسسات، وسيادة القانون، والعمل الجاد الذي يوازن بين الإصلاح والاستقرار في آنٍ واحد.العموش يكتب: قوى الشد العكسي بين محاربة الفساد والاستقرار الوطني
الدكتور أحمد العموش
مدير الأراضي والمساحة السابق
العموش يكتب: قوى الشد العكسي بين محاربة الفساد والاستقرار الوطني
الدكتور أحمد العموش
مدير الأراضي والمساحة السابق
مدير الأراضي والمساحة السابق
مدار الساعة ـ