أحيانًا، وسط هذا العالم المليء بالأخبار الثقيلة والصور القاسية، تمرّ لحظة صغيرة كفيلة بأن تعيد شيئًا من إيماننا بالإنسان. لحظة ترى فيها شابًا خرج من قلب الحرب وهو لا يحمل سوى حقيبة ودفاتر وحلمًا مؤجلًا، ثم يجد من يمدّ له يدًا ليبدأ من جديد. ربما لهذا بدت قصة وصول 72 طالبًا من قطاع غزة مؤخراً إلى العاصمة الإيطالية روما مختلفة ومؤثرة لأنها لم تكن مجرد رحلة للدراسة بل رسالة إنسانية عميقة تقول إن الإنسان قد تُرهقه الحرب، لكنه لا يفقد حقه في التعليم ولا قدرته على صناعة الأمل.
وصل الطلبة الفلسطينيون إلى إيطاليا ضمن مبادرة إنسانية وأكاديمية تهدف إلى تمكينهم من استكمال تعليمهم بعد سنوات طويلة من الحرب والمعاناة والانقطاع القسري عن الدراسة. وبينما كانت غزة تعيش ظروفًا قاسية من القصف والنزوح وفقدان الأمان كان هؤلاء الشباب يتمسكون بأحلامهم البسيطة وهي مقعد جامعي وحياة مستقرة وفرصة عادلة ليكملوا ما بدأت الحرب بسرقته منهم.وقد التقى عدد من الطلبة الملتحقين بجامعة جامعة سابينزا، وهي من أعرق الجامعات الحكومية في ايطاليا، قداسة البابا لاون الرابع عشر خلال زيارته للجامعة حيث أكد أهمية التعليم باعتباره أداة لبناء السلام وصناعة مستقبل أكثر إنسانية وعدالة. لم يكن اللقاء بروتوكوليًا بقدر ما كان رسالة معنوية لهؤلاء الطلبة بأن العالم لا يزال قادرًا على رؤية معاناتهم، وأن هناك من يؤمن بحقهم بالحياة والتعلم والمستقبل.ويستحق موقف قداسة البابا لاون الرابع عشر وقفة خاصة ليس فقط بصفته قائدًا دينيًا عالميًا بل لما أظهره من إنسانية صادقة وموقف أخلاقي نبيل تجاه معاناة الطلبة الفلسطينيين. فحضوره بينهم وحديثه عن أهمية السلام لم يكن مجرد خطاب رسمي بل رسالة دعم حقيقية لشباب خرجوا من قلب الحرب وهم يحملون ما تبقى من أحلامهم وهكذا بدا قداسة البابا صوتًا أخلاقيًا يذكّر العالم بأن الوقوف إلى جانب الإنسان أيًّا كان انتماؤه أو ظروفه يبقى أسمى أشكال الإنسانية وأكثرها تأثيرًا.هذه المبادرات تمنح الطلبة فرصة أكاديمية وشعورًا بأنهم لم يُتركوا وحدهم في مواجهة الحرب. فالإنسان حين يفقد بيته أو مدينته أو حتى جزءًا من ذاكرته تحت القصف، يصبح التعليم أحد آخر الأشياء القادرة على إنقاذه من الانكسار الكامل. ولذلك، فإن فتح أبواب الجامعات أمام ضحايا الحروب ليس عملاً تعليميًا فحسب، بل موقف أخلاقي وإنساني يعيد ترميم شيء من العدالة المفقودة.ورغم كل ما عاشه هؤلاء الشباب من فقدٍ وخوف ونزوح، فإن أكثر ما يلفت الانتباه هو قدرتهم على التمسك بالحياة. فهم لا يبحثون عن الشفقة، بل عن فرصة حقيقية ليبنوا مستقبلهم بأنفسهم، وليحوّلوا الألم إلى قوة، والمعاناة إلى بداية جديدة. وربما هذا ما يجعل قصتهم ملهمة؛ لأنهم يثبتون أن الإنسان يمكنه أن ينهض حتى من أكثر الأماكن وجعًا.العالم اليوم يحتاج إلى المزيد من هذه الصور الإنسانية التي تنتصر للعلِم بدل الحرب وللأمل بدل اليأس وللإنسان قبل أي شيء آخر. فحين يتم إنقاذ طالب من الضياع يتم إنقاذ مستقبل كامل كان يمكن أن يختفي تحت ركام الحرب. والتعليم ليس مجرد شهادة أو مقعد جامعي بل رسالة حضارية تؤكد أن الأمل يستطيع دائمًا أن يجد طريقه حتى من قلب المعاناة.حدادين يكتب: في روما وبرعاية بابا الفاتيكان.. غزة تعانق الأمل من جديد
المحامي الدكتور يزن دخل الله حدادين
حدادين يكتب: في روما وبرعاية بابا الفاتيكان.. غزة تعانق الأمل من جديد
مدار الساعة ـ