في زمن تتغير فيه أشكال الخطر أسرع من قدرة المجتمعات على ملاحظتها، لم تعد التهديدات تأتي دائمًا من الحروب التقليدية أو الأزمات الظاهرة، بل أصبحت تتسلل أحيانًا عبر شاشة صغيرة يحملها طفل بين يديه، أو لعبة إلكترونية تبدو في ظاهرها ترفيهًا، فيما تخفي خلفها عالمًا كاملًا من التأثير النفسي والسلوكي والثقافي.
إن أخطر ما في العالم الرقمي ليس التكنولوجيا نفسها، بل غياب الوعي في التعامل معها.ومن هنا، تبدو الخطوة التي أطلقتها أجيال السلام أكثر عمقًا من مجرد حملة توعية؛ فهي تعكس رؤية تدرك أن حماية الأجيال لم تعد تقتصر على الواقع المادي، بل تشمل أيضًا الفضاء الرقمي الذي أصبح امتدادًا حقيقيًا لحياتهم اليومية.فالحملة الوطنية للتوعية بالمخاطر الرقمية المرتبطة بالألعاب الإلكترونية تكشف عن انتقال أجيال السلام إلى مساحة جديدة من العمل الشبابي والإنساني؛ مساحة لا تتعلق فقط بالحوار والرياضة وبناء السلام المجتمعي، بل بحماية الوعي أيضًا.الدراسة التي أعدها معهد أجيال السلام كشفت حجم التحولات التي يعيشها الأطفال والشباب داخل الفضاء الرقمي، وأظهرت أن القضية لم تعد مرتبطة بلعبة إلكترونية هنا أو تطبيق هناك، بل بمنظومة تأثير كاملة تعيد تشكيل أنماط التفكير والعلاقات والسلوك اليومي لدى الأجيال الجديدة.لقد أدركت الهيئة مبكرًا أن الطفل الذي يدخل إلى لعبة إلكترونية لا يدخل إلى شاشة صامتة، بل إلى عالم افتراضي مفتوح يضم ملايين الأشخاص والثقافات والتأثيرات، وفيه من الفرص بقدر ما فيه من المخاطر. وهناك، قد يواجه التنمر الإلكتروني، أو الاستدراج الرقمي، أو سرقة البيانات الشخصية، أو أنماطًا من التأثير النفسي والسلوكي التي تتسلل بهدوء إلى العقل والوعي.وهنا تكمن أهمية المقاربة التي تبنتها الهيئة.فبدل الذهاب إلى خطاب التخويف والمنع، اختارت أجيال السلام بناء ثقافة وعي رقمي تقوم على التوجيه والحماية وتعزيز الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا. وهي مقاربة أكثر نضجًا وواقعية؛ لأن الأجيال الجديدة لا تعيش خارج العالم الرقمي، بل داخله.والأهم من ذلك، أن الهيئة لم تتعامل مع الأمن الرقمي بوصفه قضية تقنية بحتة، بل بوصفه جزءًا من مفهوم السلام المجتمعي وحماية الإنسان. وهذا امتداد طبيعي لفلسفة أجيال السلام التي قامت منذ تأسيسها على بناء الإنسان القادر على الحوار والتمييز والوعي والانتماء الإيجابي.إدارة أجيال السلام تقدم اليوم نموذجًا مختلفًا في العمل؛ نموذجًا لا يكتفي برد الفعل، بل يقرأ التحولات الجديدة مبكرًا، ويتعامل معها بوصفها قضايا وعي ومستقبل.ولهذا، فإن انتقال الهيئة إلى ملف الأمن والسلام الرقمي لا يبدو تفصيلًا عابرًا، بل تطورًا طبيعيًا في مسار مؤسسة أدركت أن بناء السلام اليوم لا يقتصر على مواجهة العنف التقليدي، بل يشمل أيضًا مواجهة العنف الرقمي، والتطرف الإلكتروني، ومحاولات السيطرة على وعي الأجيال الجديدة.ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لما تقوم به أجيال السلام لا تكمن فقط في إطلاق حملة توعوية، بل في المساهمة ببناء ثقافة جديدة تقول: إن حماية الإنسان تبدأ من حماية وعيه.فالمجتمعات لا تهزم دائمًا بالسلاح، بل قد تهزم حين تفقد قدرتها على حماية عقول أبنائها.المساعدة يكتب: أجيال السلام.. من السلام المجتمعي إلى السلام الرقمي
مدار الساعة ـ