أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الرواشدة تكتب: ربة منزل... لماذا قالتها بخجل؟


الدكتورة ميساء نصر الرواشدة
أستاذ مشارك - قسم علم الاجتماع الجامعة الأردنية

الرواشدة تكتب: ربة منزل... لماذا قالتها بخجل؟

الدكتورة ميساء نصر الرواشدة
الدكتورة ميساء نصر الرواشدة
أستاذ مشارك - قسم علم الاجتماع الجامعة الأردنية
مدار الساعة ـ

قبل أيام التقيت بإحدى الصديقات التي لم أرها منذ فترة طويلة. وبعد تبادل التحيات والسؤال عن الأحوال، سألتها السؤال المعتاد: "أين تعملين الآن؟"

ترددت قليلًا، ثم ابتسمت ابتسامة خجولة وقالت بصوت منخفض: "أنا... ربة منزل."

ما لفت انتباهي لم يكن جوابها، بل ذلك الخجل الذي رافق الإجابة، وكأنها تعتذر عن شيء أو تعترف بتقصير ما. شعرت للحظة أن كلمة "ربة منزل" لم تعد تحمل في أذهان البعض ما تستحقه من قيمة واحترام، رغم أنها تصف واحدًا من أهم الأدوار التي يقوم عليها المجتمع.

تساءلت: متى أصبحت المرأة تشعر بالحاجة إلى تبرير بقائها في بيتها لرعاية أسرتها؟ ومتى تحول هذا الدور العظيم إلى دور ينظر إليه البعض على أنه أقل شأنًا من أي وظيفة أخرى؟

للأسف، ساهمت بعض الطروحات الفكرية في ترسيخ فكرة أن نجاح المرأة يقاس فقط بما تحققه في سوق العمل، وأن وجودها داخل المنزل ورعايتها لأبنائها وأسرتها يمثل تراجعًا عن طموحاتها أو تنازلًا عن مكانتها. وأصبح يُنظر أحيانًا إلى الأم المتفرغة لأسرتها وكأنها امرأة لم تحقق ذاتها، بينما تُمنح الأدوار الأخرى تقديرًا اجتماعيًا أكبر.

لا أحد ينكر أهمية عمل المرأة ومشاركتها في مختلف المجالات، ولا أحد يقلل من قيمة إنجازاتها المهنية والعلمية، لكن المشكلة تبدأ عندما نقع في خطأ المقارنة بين الأدوار، فنرفع من شأن دور على حساب دور آخر، أو نجعل قيمة المرأة مرتبطة فقط بوظيفتها وراتبها ومكان عملها.

الحقيقة أن رعاية الأبناء ليست عملًا هامشيًا، بل هي عملية بناء إنسان. وإدارة شؤون الأسرة ليست مهمة بسيطة، بل مسؤولية يومية تتطلب صبرًا وحكمة وعطاءً متواصلًا. فالأم التي تستيقظ مبكرًا لإعداد أبنائها ليومهم الدراسي، والتي تتابع تفاصيل حياتهم، وتحتوي مشكلاتهم، وتزرع فيهم القيم والأخلاق، تمارس دورًا لا يقل أهمية عن أي دور مهني آخر، بل قد يفوقه أثرًا على المدى البعيد.

فالأسرة المستقرة لا تتشكل من تلقاء نفسها، والأبناء الأسوياء نفسيًا وعاطفيًا لا ينشأون بالصدفة. هناك جهد يومي كبير يبذل داخل البيوت لا يظهر في التقارير والإحصاءات، لكنه ينعكس في استقرار المجتمع كله. وما الإشباع العاطفي الذي يحتاجه الأبناء، وما الشعور بالأمان والانتماء الذي يعيشونه، إلا ثمرة رعاية واهتمام وحضور حقيقي من الوالدين، وفي مقدمتهم الأم.

ومن المؤسف أن بعض النساء أصبحن ينظرن إلى أنفسهن نظرة أقل تقديرًا لمجرد أنهن لا يشغلن وظيفة خارج المنزل، بينما الحقيقة أن قيمة الإنسان لا تحددها المسميات الوظيفية، بل أثره وعطاؤه ومسؤوليته تجاه من حوله.

عندما قالت صديقتي: "أنا ربة منزل" بخجل، تمنيت لو أنها قالتها بفخر. فليس في هذا الوصف ما يدعو للاعتذار، بل ما يستحق الاحترام. فالأم التي اختارت أن تمنح وقتها وجهدها لأسرتها ليست امرأة بلا عمل، بل امرأة تؤدي عملًا عظيمًا لا يتوقف لساعات محددة، ولا ينتهي مع نهاية الدوام، ولا يمكن قياس أثره براتب أو مكافأة.

ربما نحتاج اليوم إلى إعادة الاعتبار لهذه الكلمة الجميلة: "ربة منزل". ليس لأنها أفضل من غيرها من الأدوار، بل لأنها تستحق الاحترام والتقدير مثلها مثل أي دور آخر. فالمرأة العاملة تستحق التقدير، والأم المتفرغة لأسرتها تستحق التقدير أيضًا، والمجتمع الواعي هو الذي يحترم خيارات النساء المختلفة، ويقدر جميع أشكال العطاء دون تمييز أو انتقاص.

مدار الساعة ـ