من الواضح أن أقصى اليمين الأردني يمتلك بعض الأدوات والموارد الداعمة ضمن مواقع الدولة العميقة ومساحات التأثير، لكنه لا يمتلك حتى اليوم مشروعًا وطنيًا متكاملًا يمكن أن يجيب عن أسئلة الاقتصاد والسياسة والإصلاح ومستقبل الدولة. فالعنوان الأساسي لخطابه هو الهجوم بكل الوسائل وفي اتجاه واحد، دون تقديم رؤية عملية قابلة للتطبيق.
ولا تكمن المشكلة في الاختلاف السياسي أو الفكري، فذلك أمر طبيعي وصحي في أي مجتمع، وإنما في محاولة تحويل العشيرة من إطار اجتماعي محترم ومكوّن أصيل من مكونات المجتمع الأردني إلى قاعدة سياسية وأمنية، ومعيار للحصول على الوظائف والمكاسب والمواقع العامة. وهنا يصبح الخطر حقيقيًا، لأن الدولة الحديثة لا يمكن أن تُبنى على حجم العشيرة أو عدد أفرادها، وإنما على المواطنة والكفاءة وسيادة القانون وتكافؤ الفرص.العشيرة في الأردن قيمة اجتماعية وتاريخية لا يمكن إنكارها، وقد كان لها دور مهم في حماية النسيج الوطني وتعزيز التضامن الاجتماعي. لكن تكريسها بوصفها أداة للتنافس السياسي والوظيفي، أو استخدامها للحصول على امتيازات على حساب الآخرين، يضر بالعشيرة نفسها قبل أن يضر بالدولة. فالمطلوب هو احترام العشيرة ضمن إطار الدولة، لا تحويل الدولة إلى مجموعة من الحصص العشائرية المتنافسة.
ومن أخطر الظواهر التي نشهدها اليوم انتقال هذا الفكر إلى الجامعات، التي يفترض أن تكون ساحات للعلم والفكر وبناء الهوية الوطنية الاردنبة. أصبحنا نرى أعلامًا وكيانات ومسيرات وهتافات عشائرية داخل الجامعات، وكأن الطالب يُطلب منه أن يدخل إلى الجامعة ممثلًا لعشيرته لا مواطنًا أردنيًا يحمل طموحًا علميًا وفكريًا. وهذا يأخذ المجتمع إلى ما هو أضيق بكثير من المناطقية، ويهدد بتحويل الجامعات من مساحات للإبداع والتعدد إلى ساحات للاستقطاب والانقسام.إن مخاطر هذا النهج كبيرة، ويمكن تلخيص أهمها في عدة نقاط:أولًا، إضعاف مفهوم المواطنة المتساوية، بحيث يشعر المواطن أن فرصته في العمل أو التقدم أو الحصول على حقه ترتبط باسم عائلته أو حجم عشيرته، لا بجهده وكفاءته.ثانيًا، حرمان الدولة من كثير من طاقاتها البشرية، لأن المجتمع الذي لا يضع الأكفأ في المكان المناسب يدفع ثمنًا اقتصاديًا وإداريًا كبيرًا، ويهدر فرص التطور والإصلاح.ثالثًا، زيادة الشعور بالظلم لدى الشباب، خصوصًا في ظل البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية. فالشاب الذي يدرس ويتعب ثم يشعر أن الفرص توزّع وفق اعتبارات ضيقة سيفقد ثقته بالمؤسسات وبجدوى الاجتهاد.رابعًا، إضعاف الجامعات ودورها الوطني، لأن الجامعة التي يُفترض أن تعلّم الطالب التفكير النقدي والبحث العلمي والعمل المشترك لا يجوز أن تتحول إلى ساحة لاستعراض الانتماءات الفرعية.خامسًا، تعميق الانقسامات داخل المجتمع في وقت يحتاج فيه الأردن إلى أعلى درجات الوحدة والتماسك، لمواجهة تحديات اقتصادية وإقليمية ودولية معقدة. المشكلة لا تقتصر على أقصى اليمين وحده. فاليسار التقليدي بدوره لا يزال في كثير من الأحيان غارقًا في أحلام المناصب وخطابات الماضي. لم يستطع أن يتجاوز شعارات السبعينيات والثمانينيات، ولم ينجح في صياغة خطاب جديد يفهم تحديات هذا العصر. وبقي التخوين لدى بعض أطرافه السلاح الأسهل استخدامًا، بدلًا من تقديم مشروع واقعي قادر على إقناع الشارع وبناء ثقة الناس.لا يكفي أن يرفع اليسار شعارات العدالة الاجتماعية، إن لم يقدّم خطة واضحة لمعالجة البطالة، وتحسين التعليم، وتطوير القطاع الصحي، ودعم الطبقة الوسطى، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وجذب الاستثمار، وتعزيز الإنتاج، ومواجهة آثار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على سوق العمل.لا يكفي أن يتحدث عن الديمقراطية، إن لم يقدّم نموذجًا حزبيًا حديثًا ومنفتحًا على الشباب والنساء والكفاءات، وقادرًا على ممارسة الديمقراطية داخل مؤسساته أولًا. ولا يكفي أن يهاجم خصومه السياسيين، إن لم يطرح بديلًا قابلًا للتطبيق ويحظى بثقة المواطنين.الأردن اليوم بحاجة إلى مشروع يسار وطني ديمقراطي متكامل، يصنع التوازن في مواجهة مشروع أقصى اليمين، وفي مواجهة مشروع الإسلام السياسي، دون الوقوع في منطق الإقصاء أو التخوين.نحتاج إلى يسار وطني يضع الوطن والدستور والعرش سقفًا جامعًا، ويتمسك بدولة القانون والمؤسسات، ويحمي الحريات العامة، ويؤمن بالمواطنة المتساوية وتكافؤ الفرص، ويقدّم حلولًا اقتصادية وعلمية وصحية واجتماعية واقعية.نحتاج إلى يسار يتعامل مع العشيرة باحترام بوصفها مكوّنًا اجتماعيًا أصيلًا، لكنه يرفض تحويلها إلى معيار سياسي أو وظيفي. يسار يقدّم الأكفأ والأقدر، بغض النظر عن اسم عائلته أو عدد أفراد عشيرته أو منطقته أو خلفيته الاجتماعية.نحتاج إلى يسار يقرأ المستقبل، لا يعيش في الماضي؛ يدرس الاقتصاد الرقمي، والتعليم الحديث، والطاقة، والمياه، والأمن الغذائي، والتحولات الإقليمية، ويقدّم للناس رؤية واضحة لتحسين حياتهم اليومية.في المرحلة المقبلة، لن يكون السؤال الحقيقي: من يرفع الصوت أكثر؟ بل من يمتلك المشروع الأكثر قدرة على حماية الدولة وتحسين حياة المواطن وتعزيز الوحدة الوطنية.الأردن لا يحتاج إلى مزيد من الاستقطاب، بل إلى مشروع وطني ، يفتح الطريق أمام الكفاءة والعمل والعدالة، ويحوّل التنوع الاجتماعي والسياسي إلى مصدر قوة لا إلى سبب للانقسام.وهذه هي المهمة التاريخية التي يفترض أن يتقدم لها يسار وطني أردني جديد. يسار مسؤول، واقعي، ديمقراطي، يؤمن بالدولة، ويحترم المجتمع، ويقرأ المستقبل بثقة وشجاعة.