أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين أحزاب مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أبو عيطة يكتب: بين رؤية التحديث الاقتصادي والبيروقراطية الإدارية... هل ستصل الرسالة؟


الدكتور جورج طناس ابوعيطه

أبو عيطة يكتب: بين رؤية التحديث الاقتصادي والبيروقراطية الإدارية... هل ستصل الرسالة؟

مدار الساعة ـ

بين الطموحات الاقتصادية التي تحملها رؤية التحديث الاقتصادي، وبين الواقع الذي يواجهه المستثمر في بعض الأحيان، تبرز تساؤلات مشروعة حول مدى انسجام الإجراءات الإدارية مع الأهداف الوطنية الرامية إلى جذب الاستثمار وتحفيز النمو الاقتصادي.

فعندما أطلقت الدولة رؤية التحديث الاقتصادي، كانت الرسالة واضحة: الأردن يريد اقتصاداً أكثر تنافسية، واستثمارات أكبر، وفرص عمل أكثر، ونمواً اقتصادياً مستداماً. لكن بعد مرور فترة على إطلاق هذه الرؤية الطموحة، يبرز سؤال مهم: هل ستصل هذه الرسالة إلى جميع الجهات والمؤسسات المعنية بتنفيذها على أرض الواقع؟

لا أحد ينكر الجهود الكبيرة التي بذلتها الدولة خلال السنوات الأخيرة لتحسين البيئة الاستثمارية وتطوير التشريعات، كما لا يمكن تجاهل الجهود التي تبذلها الحكومة برئاسة دولة الدكتور جعفر حسان من خلال المتابعة الميدانية للمشاريع الاقتصادية والاستثمارية والتركيز على تسريع الإنجاز وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين والمستثمرين.

كما أن من الإنصاف الإشارة إلى التقدم الملحوظ الذي حققه الأردن في مجال التحول الرقمي والحكومة الإلكترونية، حيث ساهمت العديد من الخدمات والمنصات الإلكترونية في تسهيل إنجاز الكثير من المعاملات الحكومية وتقليل الوقت والجهد على المواطنين والمستثمرين.

إلا أن التحدي الحقيقي لم يعد يقتصر على تحويل المعاملة من الورق إلى الشاشة، بل في إعادة هندسة الإجراءات نفسها وتبسيطها وتوحيدها بين مختلف الجهات المعنية. فالمستثمر لا يقيس نجاح الحكومة الإلكترونية بعدد الخدمات المتاحة إلكترونياً، بل بمدى انعكاس ذلك على سرعة الإنجاز ووضوح المسؤوليات وسهولة الوصول إلى القرار النهائي.

ورغم التطورات التي تحققت، ما زال بعض المستثمرين يواجهون تحديات إجرائية تؤثر على سرعة تنفيذ مشاريعهم. فالمستثمر لا يبحث فقط عن الحوافز والإعفاءات، بل يبحث أيضاً عن الوضوح وسهولة الإجراءات وسرعة اتخاذ القرار.

ومن المهم التأكيد أن الحديث عن هذه التحديات لا يعني التعميم على جميع مؤسسات الدولة، فهناك مؤسسات نفخر بها وبما حققته من تطور ملموس في سرعة الإنجاز والتعامل الإيجابي مع المستثمرين، لكنها في الوقت ذاته دعوة لمراجعة بعض الإجراءات والآليات التي ما زالت بحاجة إلى تطوير بما ينسجم مع أهداف رؤية التحديث الاقتصادي.

ولعل من أبرز القضايا التي تستحق المراجعة أن جزءاً من البيروقراطية التي يواجهها المستثمرون لا يأتي بالضرورة من القوانين أو الأنظمة نفسها، بل من اختلاف تفسيرها وتطبيقها. ففي كثير من الحالات لا تكون المشكلة في النصوص القانونية، وإنما في تعدد الاجتهادات وتردد بعض المسؤولين في اتخاذ القرار أو الميل إلى اختيار المسار الأكثر تحفظاً بدلاً من المسار الأكثر كفاءة.

كما أن التداخل بين صلاحيات بعض المؤسسات والجهات الرسمية ما زال يشكل تحدياً في بعض الحالات. فقد يحصل المستثمر على موافقة من جهة معينة، ليكتشف لاحقاً أن جهة أخرى لديها متطلبات أو تفسيرات مختلفة للموضوع نفسه، مما يؤدي إلى ازدواجية في الإجراءات وتأخير في اتخاذ القرار.

وفي أحيان كثيرة يجد المستثمر نفسه مضطراً للقيام بدور حلقة الوصل بين المؤسسات المختلفة، ناقلاً الملاحظات والردود فيما بينها، في الوقت الذي يفترض أن يركز فيه على تطوير مشروعه وزيادة إنتاجيته وخلق فرص العمل.

ولا يقتصر أثر هذه التحديات على المشروع نفسه، بل يمتد إلى صورة الأردن الاستثمارية. فالمستثمر الأردني غالباً ما يكون أول من يروج لبلده أمام شركائه ومستثمريه من الخارج، متحدثاً بفخر عن الاستقرار والكفاءات البشرية والفرص الاستثمارية المتاحة. لكن عندما يواجه صعوبة في تفسير أسباب بعض التأخير أو تضارب بعض المتطلبات، يجد نفسه في موقف دفاعي لا يخدم صورة البيئة الاستثمارية التي يسعى إلى الترويج لها.

وهنا يبرز السؤال الذي يشغل كثيراً من المستثمرين: هل تتماشى الإجراءات اليومية التي يواجهونها مع الروح التي قامت عليها رؤية التحديث الاقتصادي؟

فنجاح الرؤية لا يقاس بعدد الخطط والاستراتيجيات التي يتم إعدادها، بل بمدى انعكاسها على تجربة المستثمر اليومية. فالمستثمر لا يتعامل مع الوثائق والخطط، بل مع الموظف والإجراء والقرار والمدة الزمنية المطلوبة لإنجاز معاملته.

ومن هنا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في وضع الرؤى، بل في ترجمتها إلى ثقافة مؤسسية تؤمن بأن تسهيل الاستثمار جزء أساسي من عملية التحديث الاقتصادي، والانتقال من مفهوم إدارة الإجراءات إلى مفهوم إدارة النتائج.

إن مراجعة الإجراءات وتحديثها وتوحيد المرجعيات وتقليص التداخل بين المؤسسات لا يجب أن ينظر إليها كمطالب استثمارية فقط، بل كجزء أساسي من تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي نفسها.

فالمستثمر لا يطلب دعماً مالياً أو امتيازات استثنائية، بل يطلب إطاراً قانونياً واضحاً وإجراءات مفهومة وقراراً يصدر خلال فترة زمنية معقولة. فكل يوم تأخير يعني تكلفة إضافية على المشروع، وكل فرصة استثمارية تضيع تمثل خسارة للاقتصاد الوطني وفرص العمل التي يمكن أن يخلقها.

إن الأردن يمتلك اليوم جميع المقومات اللازمة للنجاح: القيادة، والاستقرار، والكفاءات البشرية، والموقع الاستراتيجي، والرؤية الاقتصادية الواضحة. وما يحتاجه هو أن تعمل جميع المؤسسات بالسرعة نفسها التي تتحرك بها طموحات الدولة.

فإذا كنا نمتلك الرؤية والإرادة والفرص، فهل ستصل الرسالة؟

مدار الساعة ـ