مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

قرقودة تكتب: النشامى... حين يصبح الوصول انتصاراً


تغريد جميل قرقودة

قرقودة تكتب: النشامى... حين يصبح الوصول انتصاراً

مدار الساعة ـ

في عالمٍ اعتاد أن يقيس النجاح بلحظة عابرة، ينسى كثيرون أن بعض الإنجازات لا تختصرها نتيجة مباراة، ولا يحكم عليها هدفٌ يُسجل أو آخر يُهدر. فالأمم لا تصنع تاريخها بالانتصارات السهلة، بل بالقدرة على بلوغ الأحلام التي ظلت بعيدة لعقود طويلة.

اليوم يقف الأردن أمام لحظة استثنائية لم يعشها من قبل. النشامى الذين حملوا أحلام شعب كامل على أكتافهم، نجحوا في الوصول إلى كأس العالم 2026، ليكون الأردن واحداً من بين 48 منتخباً فقط تمثل شعوب الأرض في أكبر حدث كروي على الإطلاق. وهذا بحد ذاته إنجاز لا تستطيع أي نتيجة أن تنتقص من قيمته.

نحن نحب الفوز، ونتمنى أن يواصل النشامى كتابة المجد، وأن يرفعوا اسم الأردن عالياً بين كبار المنتخبات. وإن تحقق الفوز فسيكون فرحاً يضاف إلى أفراح الوطن، ودليلاً جديداً على أن الإرادة الأردنية قادرة على صناعة المستحيل.

أما إن جاءت الخسارة، لا سمح الله وقدر، فعلينا أن نتذكر حقيقة عميقة كثيراً ما تغيب وسط ضجيج اللحظة؛ فالحياة نفسها لا تمنح أعظم دروسها للمنتصرين دائماً، بل لأولئك الذين امتلكوا شجاعة المحاولة والوصول. فالإنسان لا يُقاس بعدد المرات التي انتصر فيها، بل بعدد المرات التي نهض فيها ليصبح جزءاً من المشهد بعدما كان مجرد متفرج عليه.

إن الفلسفة الحقيقية للنجاح تقول إن الغاية ليست أن تكون الأول دائماً، بل أن تملك القدرة على الجلوس بين الكبار بعد أن كان المقعد بعيداً عنك. والنشامى فعلوا ذلك بالفعل. لقد عبروا أربعين عاماً من الانتظار، وحولوا الحلم من أمنية تُتداول في المجالس إلى حقيقة يراها العالم بأسره. لذلك فإن أي نتيجة قادمة لن تغير حقيقة واحدة: الأردن أصبح في المكان الذي طالما سعى للوصول إليه.

ولعل أجمل ما في الأحلام الكبيرة أنها لا تتحقق دفعة واحدة، بل تنمو بصمت عبر سنوات من الصبر والعمل والإخفاقات الصغيرة التي لا يراها أحد. فكل جيل من الأردنيين حمل جزءاً من هذا الحلم، وكل لاعب ارتدى القميص الوطني وأسهم في هذه المسيرة ترك أثراً في الطريق. وما نراه اليوم ليس إنجاز فريق فقط، بل ثمرة إيمان وطن كامل بأن المستحيل كلمة مؤقتة، وأن ما يبدو بعيداً اليوم قد يصبح حقيقة غداً.

ومن حكمة الحياة أن القيمة الحقيقية للإنجاز لا تظهر عند الوصول إليه فقط، بل في مقدار ما يغيره داخل النفوس. لقد منح النشامى الأردنيين شعوراً جميلاً بأن الحدود التي نرسمها لأحلامنا ليست دائماً حقيقية، وأن الإرادة قادرة على تجاوز ما تعجز عنه الحسابات والتوقعات. ولهذا فإن التأهل إلى كأس العالم ليس حدثاً رياضياً فحسب، بل درس وطني عميق في الأمل والإصرار والإيمان بالقدرة على تجاوز الممكن نحو ما هو أبعد.

وربما لهذا السبب تبقى بعض اللحظات خالدة في ذاكرة الشعوب؛ لأنها لا تتعلق بالنتائج، بل بما تزرعه في الوجدان الجمعي من ثقة وفخر. فبعد سنوات طويلة من الانتظار، لم يعد الأردني يشاهد كأس العالم بوصفه حلماً بعيداً يخص الآخرين، بل بوصفه ساحة يقف فيها وطنه بين أمم الأرض. وهذه نقلة معنوية لا تقاس بالأهداف ولا بالنقاط، بل بما تمنحه للأجيال القادمة من يقين بأن الأحلام الكبيرة تستحق الصبر مهما طال الطريق.

ولهذا، فلنحتفل بما تحقق قبل أن نفكر بما سيأتي. فالفوز جميل، لكنه يبقى لحظة، أما الإنجاز التاريخي فيبقى ذاكرة وطن. وما صنعه النشامى ليس مجرد تأهل إلى بطولة، بل رسالة للأجيال القادمة بأن الأحلام الكبيرة قد تتأخر، لكنها لا تضيع ما دام هناك من يؤمن بها ويعمل لأجلها.

اليوم لا نقف أمام مباراة فحسب، بل أمام صفحة جديدة من تاريخ الأردن. صفحة كُتبت بالعزيمة والصبر والإيمان، وسيبقى عنوانها الأجمل أن النشامى وصلوا... وأن علم الأردن سيرفرف في كأس العالم للمرة الأولى.

مدار الساعة ـ