يشهد الإنسان خلال حياته لحظات يحقق فيها إنجازات كان يعتقد يومًا أنها بعيدة المنال. وعندما يصل إلى تلك اللحظة، يكتشف أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في الوصول، بل في كيفية التعامل مع الضغوط المرافقة لهذا الوصول.
وينطبق ذلك تمامًا على المنتخبات الرياضية التي تشارك للمرة الأولى في بطولة عالمية بحجم كأس العالم.فعندما تأهل المنتخب الأردني إلى كأس العالم لأول مرة في تاريخه، لم يكن ذلك مجرد إنجاز رياضي، بل حدث نفسي واجتماعي ووطني كبير حمل معه مشاعر الفخر والانتماء والأمل لدى ملايين الأردنيين.لكن من المهم أن نفهم أن الوصول إلى هذا المستوى يضع اللاعبين أمام تحديات تتجاوز المهارة البدنية والخطط التكتيكية.الدماغ تحت الضغطمن منظور علم الأعصاب، عندما يواجه الإنسان موقفًا استثنائيًا عالي الأهمية، يرتفع مستوى التوتر الفسيولوجي بشكل ملحوظ. يزداد إفراز الأدرينالين والكورتيزول، ويرتفع مستوى اليقظة والانتباه.هذه الاستجابة قد تكون مفيدة في حدود معينة، لكنها عندما تتجاوز المستوى الأمثل قد تؤثر سلبًا على التركيز ودقة اتخاذ القرار وسرعة الاستجابة الحركية.لذلك نجد أن كثيرًا من الرياضيين يقدمون أداءً أقل من قدراتهم الحقيقية في أولى تجاربهم الكبرى، ليس بسبب نقص المهارة، بل بسبب الضغط النفسي والعصبي غير المألوف.لماذا تكون المباراة الأولى الأصعب؟في علم النفس الرياضي، تعتبر المباراة الأولى في البطولات الكبرى من أكثر المباريات تعقيدًا من الناحية النفسية.فاللاعب لا يواجه الخصم فقط، بل يواجه أيضًا:* رهبة الحدث العالمي.* التغطية الإعلامية المكثفة.* توقعات الجماهير.* الخوف من الخطأ.* الرغبة المفرطة بإثبات الذات.كل هذه العوامل تستهلك جزءًا من الطاقة الذهنية والانفعالية، وقد تنعكس على الأداء داخل الملعب.ولهذا فإن التعثر في المباراة الأولى لا يمثل بالضرورة مستوى الفريق الحقيقي، بل قد يعكس حجم التحدي النفسي الذي يرافق التجربة الجديدة.الخسارة ليست فشلًامن الأخطاء الشائعة اجتماعيًا أن يتم تقييم تجربة كاملة بناءً على نتيجة واحدة.فالإنسان بطبيعته يميل إلى الأحكام السريعة، بينما تشير الدراسات النفسية إلى أن النمو والتطور يحدثان غالبًا من خلال التحديات والأخطاء أكثر مما يحدثان من خلال النجاح السهل.الخسارة قد تكون مؤلمة، لكنها أيضًا مصدر غني للمعلومات والخبرات.فالفرق الناجحة لا تُقاس بعدد مرات سقوطها، بل بقدرتها على التعلم بعد كل سقوط.التأثير الاجتماعي للإنجازات الرياضيةتلعب الرياضة دورًا مهمًا في تعزيز الهوية والانتماء الوطني.عندما يحقق فريق يمثل الوطن إنجازًا كبيرًا، يشعر الأفراد بأنهم جزء من قصة نجاح جماعية. وهذا الشعور يرفع مستوى الترابط الاجتماعي ويعزز الأمل والتفاؤل والانتماء بين أفراد المجتمع.ومن هنا تصبح مسؤولية الجماهير والمجتمع أكبر من مجرد التشجيع عند الفوز.فالمجتمعات الناضجة نفسيًا تدعم أبناءها في لحظات النجاح كما تدعمهم في لحظات التعثر، لأنها تدرك أن التطور عملية مستمرة وليست نتيجة لحظة واحدة.الرسالة الأهمإن وصول الأردن إلى كأس العالم يمثل رسالة عميقة لكل شاب وطفل وأسرة في هذا الوطن:الأحلام الكبيرة ممكنة.لكن الطريق إليها لا يكون مستقيمًا دائمًا، بل يمر بمحطات من التحديات والتعلم والتأقلم وإعادة المحاولة.لذلك فإن الحكمة ليست في ألا نتعثر، بل في ألا نسمح للتعثر أن يمنعنا من الاستمرار.فقد تكون الخسارة الأولى مجرد بداية لقصة أكبر، وقد يكون أهم ما في الإنجاز ليس النتيجة الآنية، بل الأثر النفسي والاجتماعي الذي يتركه في الأجيال القادمة.وهنا تكمن القيمة الحقيقية للرياضة؛ فهي لا تعلّمنا كيف نفوز فقط، بل تعلّمنا كيف ننهض، وكيف نستمر، وكيف نحول التحديات إلى فرص للنمو والتطور.لأن الأمم لا تبنى فقط بالانتصارات، بل تبنى أيضًا بالطريقة التي تتعامل بها مع الصعوبات، وبقدرتها على تحويل التعثر إلى خبرة، والخبرة إلى نجاح مستقبلي.دمتم بخير، ودمتم مؤمنين أن كل حلم كبير يبدأ بخطوة، وينمو بالصبر، ويصل بالإصرار.بزادوغ تكتب: عندما يخسر الحلم أولى معاركه: قراءة نفسية وعصبية واجتماعية في مشاركة الأردن الأولى بكأس العالم
د. رولا عواد بزادوغ
بزادوغ تكتب: عندما يخسر الحلم أولى معاركه: قراءة نفسية وعصبية واجتماعية في مشاركة الأردن الأولى بكأس العالم
مدار الساعة ـ