مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

يوميات حزب الديموزيا في جزر الموز (1): عراب الحزب وحراس المعبد


مجد حسونة

يوميات حزب الديموزيا في جزر الموز (1): عراب الحزب وحراس المعبد

مدار الساعة ـ

عراب الحزب وحراس المعبد

في جزر الموز، كان حزب الديموزيا يفتخر بأنه حزب الأفكار والمؤسسات. وكان عراب الحزب منشغلا بمشروعه السياسي الكبير، لا باعتباره زعيما ملهما، بل باعتباره صاحب رؤية يسعى إلى تثبيت حضوره وتقديم أوراق اعتماده من خلال شبكة واسعة من الوجوه والأسماء والحلفاء والحراس.

أما الحاشية، فكان لكل واحد منها مشروعه الخاص، وأحلامه الصغيرة، وحساباته المؤجلة. لم يكن أحد منهم يعيش من أجل الفكرة وحدها، كما لم يكن العراب نفسه يعيش بعيدا عن الحاجة إليهم. كانت علاقة معقدة، يظن فيها كل طرف أنه يستخدم الآخر، بينما كان الجميع أسرى لحاجتهم المتبادلة.

وفي حزب الديموزيا، لم تعد التحالفات تسمى تحالفات، بل صفقات. ولم تعد التقاطعات السياسية تنشأ عن تقارب في الأفكار، بل أصبحت تروى باعتبارها عمليات كسب واستقطاب واحتواء. وكان بعض أهل الحاشية يعودون من لقاءات عابرة ليقدموا أنفسهم أبطالا، ويبشروا العراب بأنهم كسبوا فلانا واحتووا علانا، وأن مجموعة جديدة أصبحت في الجيب، وأن التوازنات تغيرت بفضل مهاراتهم الفريدة.

وكان العراب يسمع كثيرا، بينما كانت الحقيقة تسمع أقل.

ولأن أصحاب المصالح يرون العالم بمنطق المصالح، فقد اعتقد بعض الحراس أن الجميع يشبهونهم. فإذا اختلف أحدهم قالوا إنه يفاوض، وإذا صمت قالوا إنه ينتظر الثمن، وإذا انتقد قالوا إنه يبحث عن موقع، وإذا تمسك بموقفه قالوا إن الصفقة لم تنضج بعد.

والأغرب أن كثيرا من الصفقات التي كانوا يروونها لم تكن موجودة إلا في خيال أصحابها. كانوا يبيعون العراب انتصارات لم تحدث، ويقدمون أنفسهم باعتبارهم مهندسي تفاهمات لم تكتمل، ويرفعون أسهمهم بقصص عن رجال تم احتواؤهم وآخرين تم ضمان ولائهم، بينما كانت الأيام وحدها تكشف أن معظم تلك الانتصارات لم تكن سوى أوراق اعتماد يقدمها كل واحد منهم لتثبيت مكانه قرب العراب.

وفي حزب الديموزيا، لم يكتف بعض أهل الحاشية بنقل ما سمعوه أو فهموه، بل تطورت الأمور حتى أصبح لكل واحد منهم تفسيره الخاص، وقراءته الخاصة، ومصادره الخاصة، وصار البعض يتحدث بلغة غامضة عن تقديرات لا يعرفها الجميع، وعن أمور لا يفهمها إلا أهل القرب، وعن رؤى لا يدركها إلا أصحاب البصيرة.

واختلطت الرغبات الشخصية بالتوجيهات، واختلطت الأمنيات بالحقائق، حتى أصبح من الصعب معرفة أين تبدأ القناعات الحقيقية وأين تنتهي اجتهادات الحراس.

لكن المثير للسخرية أن أهل الحاشية أنفسهم لم يكونوا يثقون ببعضهم البعض. كانوا يجلسون حول الطاولة نفسها، ويتبادلون الابتسامات نفسها، ويتحدثون عن الوفاء نفسه، بينما يعرف كل واحد منهم في أعماقه أن أول منعطف حقيقي كفيل بتغيير الاصطفافات وإعادة توزيع الولاءات.

فالعلاقات التي تقوم على الحاجة لا تعرف الوفاء الدائم، والتحالفات التي تبنى على المنفعة لا تعرف الثبات، ومن اعتاد الحديث عن بيع الآخرين لا بد أن يعيش خائفا من أن يباع هو نفسه.

أما العراب، فلم يكن يرى نفسه ضحية لأحد، بل كان يعتبر الجميع أدوات ضرورية لخدمة مشروعه الكبير. وكان يعتقد أنه يستخدمهم أكثر مما يستخدمونه. وكانوا يعتقدون أنهم الأقرب إليه والأقدر على توجيه المشهد. وبين هذا الوهم وذاك، استمرت اللعبة.

وكان حكماء جزر الموز يقولون إن أخطر ما يصيب الأحزاب ليس وجود الخصوم، بل كثرة المترجمين. فحين يصبح بين الفكرة وصاحبها حراس، وبين القائد والناس وسطاء، وبين الحقيقة والرواية أصحاب مصالح، يصبح الوهم أكثر حضورا من الواقع، وتتحول الإشاعات إلى حقائق، ويصبح السؤال المزعج أخطر من الخطأ نفسه.

لكن تلك حكاية أخرى.

يتبع…

في الحلقة الثانية من يوميات حزب الديموزيا في جزر الموز:

كيف تحولت المؤسسية إلى شعار؟ ولماذا أصبحت الأسئلة أكثر إزعاجا من الأخطاء؟ وكيف نجح حزب الديموزيا في تحويل النقد إلى تهمة، والاختلاف إلى صفقة مؤجلة ؟

مدار الساعة ـ