ليست أهمية مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في أنها أوقفت حرباً أو خفضت التصعيد فحسب، بل في أنها أكدت حقيقة سياسية طالما حاول البعض تجاهلها: لا يوجد في الشرق الأوسط ملف استراتيجي كبير يمكن أن يُحسم بعيداً عن القرار الأمريكي. فمهما تبدلت التحالفات وتغيرت موازين القوى، تبقى واشنطن الدولة الوحيدة القادرة على الانتقال من موقع المواجهة إلى موقع صانع التفاهمات دون أن تفقد نفوذها أو مكانتها.
المذكرة ليست مجرد وثيقة سياسية، بل رسالة واضحة بأن الولايات المتحدة لا تزال تمسك بمفاتيح الاستقرار الإقليمي. فعندما تقرر واشنطن التصعيد تهتز المنطقة بأكملها، وعندما تقرر التهدئة يتجه الجميع لمراقبة نتائجها. وهذه ليست مبالغة، بل واقع فرضته عقود من الحضور السياسي والعسكري والاقتصادي الأمريكي في الشرق الأوسط.واللافت أن المذكرة جاءت بعد مرحلة أثبتت فيها الولايات المتحدة أنها قادرة على ممارسة أقصى درجات الضغط عندما تريد، وقادرة في الوقت ذاته على الانتقال إلى الدبلوماسية عندما ترى أن أهدافها الاستراتيجية أصبحت أقرب للتحقق عبر التفاهم لا عبر التصعيد. وهذا ما يميز الدول الكبرى؛ فهي لا تتحرك بدافع الانفعال، بل وفق حسابات دقيقة للكلفة والعائد.الفكرة الأخطر في هذه المذكرة أن واشنطن لم تذهب إلى التفاوض لأنها مضطرة، بل لأنها اختارت اللحظة التي ترى فيها أن التفاوض يخدم مصالحها العليا. فالدول العظمى لا تقاس قوتها بعدد المعارك التي تخوضها، بل بعدد المعارك التي لا تحتاج إلى خوضها لتحقيق أهدافها. وهذه إحدى أهم قواعد القوة في السياسة الدولية.كما تكشف المذكرة حقيقة أخرى كثيراً ما يغفلها المراقبون، وهي أن النفوذ الأمريكي في المنطقة لم يكن قائماً فقط على القوة العسكرية، بل على القدرة على إدارة التوازنات. فالقوة قد تفرض واقعاً مؤقتاً، أما إدارة التوازنات فتصنع واقعاً طويل الأمد. ومن هنا تأتي أهمية أي تفاهم ترعاه واشنطن؛ لأنه لا يؤثر على طرفين فقط، بل يعيد رسم حسابات المنطقة بأكملها.ومن زاوية أخرى، فإن مجرد قبول إيران بالدخول في هذا المسار يعكس إدراكاً بأن الطريق إلى الاستقرار الاقتصادي والسياسي يمر، بشكل أو بآخر، عبر تفاهم مع الولايات المتحدة. وهذه حقيقة جيوسياسية لا يمكن تجاوزها مهما اختلفت الخطابات والشعارات.لكن الرسالة الأهم التي تحملها المذكرة هي أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة عنوانها الواقعية السياسية. فسنوات الشعارات الكبرى والصدامات المفتوحة أثبتت أن الاستقرار لا يصنعه التصعيد الدائم، وأن الدول التي تريد حماية مصالحها لا بد أن تبحث عن مساحات مشتركة مهما كانت الخلافات عميقة.وفي نهاية المطاف، قد يختلف الناس حول تفاصيل المذكرة وبنودها ونتائجها، لكنهم يصعب أن يختلفوا حول حقيقة واحدة: الولايات المتحدة ما تزال الطرف الأكثر قدرة على تحويل التوتر إلى تفاهم، والأكثر قدرة على جمع الخصوم حول طاولة واحدة عندما تقرر أن الوقت قد حان لإعادة ترتيب المشهد. وهذا بحد ذاته يكشف أن النفوذ الأمريكي لم يتراجع كما يردد البعض، بل ما زال قادراً على فرض إيقاع الأحداث وصناعة اللحظات السياسية الكبرى في الشرق الأوسط.حدادين يكتب: مذكرة واشنطن وطهران.. عندما تفرض أمريكا قواعد اللعبة
المحامي الدكتور يزن دخل الله حدادين
حدادين يكتب: مذكرة واشنطن وطهران.. عندما تفرض أمريكا قواعد اللعبة
مدار الساعة ـ