مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أبو لبن يكتب: جيل الستينات والمشروع القومي


الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق

أبو لبن يكتب: جيل الستينات والمشروع القومي

الدكتور زياد أبو لبن
الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
مدار الساعة ـ

كان جيل الستينات العربي جيلًا استثنائيًا في تكوينه الثقافي والسياسي، فقد وُلد في لحظة تاريخية كانت فيها المنطقة العربية تبحث عن خلاصها من آثار الاستعمار، وعن صيغة جديدة تعيد للإنسان العربي شعوره بالقدرة على صناعة المستقبل. لم يكن المشروع القومي في تلك المرحلة مجرد خطاب سياسي تردده الأحزاب أو الأنظمة، بل كان حلمًا واسعًا تسكنه قلوب الشباب والمثقفين والطلبة، وتختلط فيه أحلام التحرر بالبحث عن العدالة والكرامة واستعادة الدور الحضاري للأمة.

كان جمال عبد الناصر بالنسبة إلى قطاعات واسعة من هذا الجيل رمزًا لهذا الحلم؛ فقد رأوا فيه صورة القائد الذي استطاع أن يتحدى القوى الكبرى، وأن يرفع شعار الاستقلال الوطني، وأن يجعل من فكرة الوحدة العربية مشروعًا يتجاوز حدود الدولة القطرية الضيقة. كما وجدت الأحزاب القومية، بمختلف تياراتها، في هذا المناخ أرضًا خصبة للانتشار، فقد بدا للكثيرين أن المستقبل العربي يمكن أن يُبنى على أساس الوحدة والتضامن والتكامل بين الشعوب.

نشأ أبناء هذا الجيل وهم يحملون يقينًا بأن التاريخ يسير نحو مرحلة جديدة، وأن الأمة التي عانت طويلًا من التجزئة والتبعية قادرة على النهوض. كانت الجامعات ساحات للنقاش الفكري والسياسي، وكانت الكتب والمجلات والصحف تصنع وعيًا جديدًا، وكان المثقف العربي يرى نفسه معنيًا بقضايا وطنه وأمته، لا مجرد مراقب للأحداث.

لكنّ الوعي لا يبقى أسير الأحلام طويلًا؛ فكلما ازداد هذا الجيل معرفة وتجربة، بدأ يرى التناقضات التي تختبئ خلف الشعارات الكبرى. فقد اكتشف أن بعض الأنظمة التي رفعت راية القومية لم تكن قادرة على تحقيق المشاركة الشعبية الحقيقية، وأن اعتمادها على شخصية الزعيم الواحد جعل المشروع مرتبطًا بالفرد أكثر من ارتباطه بالمؤسسات. كما ظهرت مظاهر التضييق على الحريات، وتراجعت مساحة الاختلاف، وأصبح النقد السياسي والفكري أمرًا محفوفًا بالمخاطر.

لم تكن المشكلة في فكرة القومية العربية نفسها بقدر ما كانت في الطريقة التي مورست بها أحيانًا؛ فالمشروع الذي بدأ باعتباره مشروعًا لتحرير الإنسان العربي، وجد نفسه في بعض التجارب أسيرًا لسلطة مركزية لا تسمح بتعدد الأصوات. وهنا بدأ جيل الستينات يطرح أسئلته الصعبة: هل يكفي رفع الشعارات الكبرى لبناء دولة حديثة؟ وهل يمكن لمشروع قومي أن ينجح من دون مشاركة الناس وإيمانهم الحقيقي به؟

ثم جاءت نكسة عام 1967 لتكون اللحظة الفاصلة، فقد كانت أكثر من هزيمة عسكرية؛ كانت انهيارًا لصورة كاملة عن القوة والقدرة والمستقبل. شعر جيل الستينات بأن الأسئلة التي كان يؤجلها أصبحت تقف أمامه بقسوة. فالحلم الذي بدا قريبًا أصبح بعيدًا، والنظام الذي قدم نفسه بوصفه قادرًا على تحقيق الانتصار وجد نفسه أمام أزمة عميقة.

خرج هذا الجيل من صدمة 1967 مثقلًا بالأسئلة، لكنه لم يخرج فاقدًا للأمل. كان نقده للتجربة الناصرية والقومية في جوهره محاولة لإنقاذ الحلم، لا للتخلي عنه. فقد كان يريد مشروعًا قوميًا أكثر ديمقراطية، وأكثر قربًا من الناس، وأكثر قدرة على استيعاب الاختلاف. كان يرى أن الجماهير لا يمكن أن تبقى مجرد جمهور يصفق، بل يجب أن تكون شريكًا في صناعة القرار.

غير أن الأنظمة التي حكمت المرحلة لم تكن مستعدة دائمًا لسماع هذا النقد، فعادت كثير من الأدوات القديمة إلى الواجهة، وتم احتواء موجات الرفض والتغيير، وبقيت المسافة واسعة بين تطلعات الشباب وبين واقع السلطة.

ومع ذلك، فإن جيل الستينات لم يكن جيلًا مهزومًا بالكامل؛ فقد حمل أيضًا لحظات مقاومة وأمل، وكان جزءًا من التحولات التي شهدتها المنطقة، ومن بينها حرب السادس من أكتوبر 1973 التي أعادت شيئًا من الثقة بعد سنوات الانكسار. لقد أثبت هذا الجيل أن الهزيمة لا تعني نهاية التاريخ، وأن الشعوب قادرة على استعادة المبادرة عندما تتوفر الإرادة.

لكن السنوات التالية حملت تحولات كبرى؛ تغيرت الأنظمة، وتبدلت التحالفات، وانكسرت مشاريع، وظهرت تيارات سياسية جديدة. وجد أبناء الستينات أنفسهم أمام عالم مختلف؛ عالم لم تعد فيه الشعارات القديمة كافية، ولم تعد الأدوات التي استخدموها في بداياتهم قادرة على تفسير التحولات الجديدة.

ومع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، عاد السؤال نفسه بقوة: ماذا بقي من جيل الستينات؟ وماذا بقي من المشروع القومي الذي حمله؟

ربما تكمن الإجابة في أن هذا الجيل لم يختفِ، لكنه تغير. فمنهم من اختار الابتعاد بعدما شعر أن زمن الأحزاب والعمل السياسي قد تراجع، ومنهم من انتقل بين اتجاهات فكرية مختلفة بحثًا عن إجابة جديدة، ومنهم من ظل متمسكًا بالشعارات الأولى دون أن يراجع أدواته أو يقرأ التحولات التي طرأت على العالم.

لقد واجه هذا الجيل مأزقًا تاريخيًا؛ فهو جيل حمل أحلامًا كبيرة، لكنه عاش أيضًا لحظات انكسار كبيرة. كان شاهدًا على نهاية مرحلة وبداية أخرى، ورأى كيف انتقلت المنطقة من أحلام الوحدة والتحرر إلى صراعات داخلية وأزمات سياسية واقتصادية وثقافية.

أما الأجيال التي جاءت بعده، فلم تكن بالضرورة أكثر حظًا؛ فقد ورثت كثيرًا من الأسئلة نفسها، لكنها وجدت نفسها أمام واقع أكثر تعقيدًا. فالأزمات التي تحدث عنها جيل الستينات لم تختفِ، بل اتخذت أشكالًا جديدة، وأصبحت الهوة بين المواطن والسلطة، وبين الحلم والواقع، أكثر اتساعًا.

وظلت مصر نموذجًا مركزيًا في قراءة التجربة العربية؛ فهي التي حملت مشروعًا قومًيً مؤثرًا في المنطقة، وهي التي شهدت أيضًا تحولات كبرى جعلتها مرآة لكثير من الأسئلة العربية. فصورة الزعيم لم تختفِ تمامًا، لكنها تغيرت، كما تغيرت طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع.

ويبقى المشروع القومي، رغم كل ما أصابه من نقد وتراجع، فكرة تستحق التأمل؛ لأنه ارتبط بأسئلة حقيقية لم تفقد أهميتها: كيف يمكن للعرب أن يبنوا مستقبلًا مشتركًا؟ كيف يمكن تحقيق الاستقلال الحقيقي؟ وكيف يمكن أن تكون الهوية العربية مساحة للتعاون لا أداة للصراع؟

إن جيل الستينات لم يكن مجرد جيل سياسي عابر، بل كان جيلًا حمل حلمًا كبيرًا، ثم اكتشف صعوبة تحويل الأحلام إلى واقع. وربما تبقى أهم دروسه أن الأفكار الكبرى لا تعيش بالشعارات وحدها، بل تحتاج إلى مؤسسات، وإلى حرية، وإلى إنسان قادر على المشاركة في صناعة مصيره.

ويبقى السؤال الذي يطارد الأجيال العربية كلها: أين نحن الآن؟ هل تعلمنا من إخفاقات الماضي، أم أننا ما زلنا نعيد إنتاج الأسئلة القديمة بأسماء جديدة؟

مدار الساعة ـ