في كل مرة اتنقل بين احياء عمان يلح علي السؤال المتعلق بتلك الاماكن وقد امضي بعض الوقت في محاولة التعرف على تلك الاماكن واصل اسماءها و دلالاتها و اين تبدأ حدود المكان و حول طبيعة صلاته بالأمكنة المجاورة والسكان .
بالأمس كنت في زيارة لمنزل الفريق الركن المتقاعد فاضل علي فهيد الذي أكن له الكثير من الحب والتقدير والإعجاب منذ أن عرفته قائدا لجهاز الامن العام في الفترة الواقعة بين عام ١٩٨٩ وحتى ربيع عام١٩٩٣ وخلال خدمتي كواحد من ضباط الجهاز حتى قبل التحاقي للعمل في مكتبه ضمن فريق يتولى اعداد الدراسات ويتتبع الظواهر ويبقي الجهاز على صلة مع المجتمع ونبضه الامر الذي اتاح لي معرفة كيف كان الباشا يفكر ويخطط ويتطلع للنهوض بالمؤسسة الأمنية وتوجيهها نحو المزيد من المهنية والاحتراف .في الطريق الى منزل الباشا الذي ربما كان واحدا من اقدم البيوت في الجندويل خطر ببالي السؤال عن دلالات اسم الجندويل وتذكرت أن في جنبات المكان بيوت لرجالات وقيادات أمنية وعسكرية ومقرات للدوائر ومؤسسات ارتبطت بالهوية والاستقرار وأن المعنى اللغوي قد لا يبتعد كثيرا عن معنى الجمود والصلابة كصلابة الصخر في مجرى النهر .مثل الصخرة وسط مجرى النهر كان ولا يزال الباشا شخصية تتداخل فيها البشاشه والطيبة والنبل والصفاء مع الشجاعة و الحزم والصلابة والإصرار .تعود بي الذاكرة إلى المرة الاولى التي طرق فيها اسم فاضل علي فهيد مسامعي حيث كان عمري ثلاثة عشر عاما في ذات العام الذي اتقدت فيه شعلة الكرامة يوم الحادي والعشرين من آذار عام ١٩٦٨.في قريتنا البعيدة الغاطسة بين جبال الجنوب كنت ومعي طلاب القرية قد زحفنا نحو صخور الصوان المكدسة غرب منازل اهلنا المطلة على الاغوار الجنوبية لنستكشف سؤال هدير الطائرات التي هزت طلعاتها كل ما حولنا .كانت اغوار فيفه والصافي والمزرعة ساحات للاشتباك وميادين للقتال مثلها مثل الشؤونة والكرامة والكريمة ففيها قواعد للجيش والمقاومة وتصب عليها طائرات العدو مئات الحمم وصليات الرشاشات .في ذلك اليوم الذي امتزج فيه الخوف مع الامل امضينا الساعات وقوفا على صخور الصوان ونحن نراقب طلعات الطائرات ونحبس الأنفاس مع كل صوت انفجار كنا ننصت بخشوع لبيانات الإذاعة الاردنية التي قد تقول لنا شيئا عن بعض اثار هذه الطلعات وعلها تزف لنا بيانا يبدأ " ب اسقطت دفاعاتنا الجوية طائرة معادية ولا يهمنا طراز ها"كنا نعرف يومها انا و رفاقي الذين وقفوا طوال ساعات ذلك اليوم أن على الجبهات أسودا يتصدون لقوى الشر والغدر والعدوان كنا نعرف بوجودهم دون أن نعرف اسماءهم .كانوا هؤلاء الرجال أبطالنا وسادتنا وحماة ديارنا الذين نتمنى لو يتحقق لنا مصافحتهم وشكرهم وتقبيل جباههم .في اليوم التالي وبعد دحر القوة الغازية واستذكار المواقف والبطولات واشكال الفداء ظهر اسم فاضل علي فهيد ليصبح ومنذ ذلك اليوم ايقونة التضحية واسما عالقا في سجل البطولات الاردني وواحدا من صناع المجد والتراث العسكريمنذ، ذلك اليوم لا تمر مناسبة تستدعي الحديث عن الجندية وقيمها وموروثها دون التوقف عند الصورة الخالدة التي رسمها فاضل علي .على هذه الخلفية وبهذا الفهم استقبلت ومعي مئات الضباط و الافراد وضباط الصف في جهاز الامن العام خبر اختيار اللواء فاضل علي فهيد مديرا للامن العام ليخلف الفريق اول عبدالهادي المجالي . لقد كان شعورنا الجمعي بأننا نستقبل بطلا ورمزا وطنيا كتب اسمه بالدم وجسد معنى الفداء والتضحية قولا وعملا .خلال الاعوام التي قاد فيها الجهاز كان فاضل علي حريصا على بناء الروح المعنوية للجهاز وتقريب المؤسسة الامنية من الناس كان مؤمنا بأهمية الاتصال ودور المواطن في استتباب الامن . بهذا الفهم وهذه الروح حاول إطلاق الطاقات الكامنة والمتنحية ووضعها في خدمة المؤسسة واهدافها .لقد اتاحت لي فرصة العمل تحت إمرة الفريق فاضل علي الاطلاع على نموذج إداري يؤمن بطاقة الانسان الخلاقة وأهمية التحفيز في إطلاق الطاقات وضرورة إذكاء روح التنافس الايجابي لتطوير وسائل وأساليب وتقنيات العمل .إحالة الفريق فاضل علي فهيد إلى التقاعد لم تكن نهاية للعمل او لتوقف العطاء بل كانت البداية الجديدة لرحلة عمل نوعي يمزج بين الخبرة الامنية والثقافة العامة الواسعة والعلاقات العربية المشعبة والسمات الشخصية التي يمتلكها ابو بسام فقد كرس جهده لتطوير برامج العمل والنشاطات لجمعية الشؤون الدولية التي انتخب ليكون امين لسرها منذ أن تفرغ صديقه دولة المرحوم الدكتور عبدالسلام المجالي لرئاستها وعملا معا في ظروف صعبة على تطوير لجان اردنية فلسطينية مشتركة بالرغم من عرقلة كيان الاحتلال لهذه الجهود وتمكنا من ادامة عمل الجمعية كبيت خبرة اردني يرفد سياسات وبرامج الحكومة بما قد تحتاج اليه .الشكر لله أن في بلدنا رجال قدموا لنا الكثير من الخبرة والتضحية والعطاء ودخلوا ميدان الخدمة العامة بكثير من الحماس والشكر فأدوا ما عليهم ليغادروا المواقع دون غضب او عتب او نقمة بل بكل ايمان بحق الاجيال أن تاخذ ،دورها في إكمال المسيرة والشكر وافره لعطوفة الباشا ورفيقة دربه السيدة ام بسام وابناء وبنات هذه الاسرة الاردنية النبيلة