مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

شطناوي يكتب: أبعاد زيارة ولي العهد إلى وادي السيليكون


أ.د. نورس شطناوي

شطناوي يكتب: أبعاد زيارة ولي العهد إلى وادي السيليكون

مدار الساعة ـ

لم تكن الزيارة الأخيرة لسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، إلى كاليفورنيا جولة علاقات عامة عابرة، بل تحركًا مركزًا عند تقاطع الاستثمار والتكنولوجيا والدبلوماسية العامة. فالزيارات المعلنة شملت على الأقل شركة Playground Global للاستثمار المبكر في التكنولوجيا، وشركة Replit التي أسسها رائد الأعمال الأردني أمجد مسعد، وشركة Zipline الرائدة عالميًا في الطيران اللوجستي الذاتي. وفي الخلفية المؤسسية يوجد المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل، الذي أُطلق لتعزيز مكانة الأردن كدولة متقدمة تكنولوجيًا، مع تركيز معلن على البنية الرقمية والتشريعات والبحث العلمي والذكاء الاصطناعي. وعليه، فإن القيمة الحقيقية للرحلة تُقاس بقدرة الأردن على تحويل الاهتمام السياسي إلى تشريعات، وبنية تحتية، وتمويل تجريبي، وشراكات تدريب، وحواضن قبول مجتمعي.

إن زيارة سمو ولي العهد الأخيرة إلى وادي السيليكون لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها زيارة تقنية فحسب، بل باعتبارها رسالة دولة تقول إن الأردن لا يريد أن يظل مستهلكًا للحلول، بل شريكًا في صناعتها وتوطينها. فحين يجتمع في جدول الزيارة استثمار التكنولوجيا العميقة في Playground Global، والذكاء الاصطناعي التعليمي في Replit، والطيران اللوجستي الذاتي في Zipline، تصبح الصورة أوضح: نحن أمام محاولة واعية لالتقاط حلقات القيمة الأعلى في الاقتصاد الرقمي، من التمويل المبكر إلى البرمجيات إلى الأنظمة الجوية ذاتية التشغيل. والأهم أن سموه عبّر بوضوح عن البعد الوطني للرحلة بقوله: ما يحققه الأردنيون في قطاع التكنولوجيا مصدر فخر واعتزاز.

سياسيًا ودبلوماسيًا، تحمل الزيارة معنى يتجاوز الشركات نفسها. فالعلاقة الاقتصادية الأردنية الأميركية مؤطرة أصلًا باتفاقية تجارة حرة دخلت حيز التنفيذ في عام 2001، والأردن ما يزال يُقدَّم رسميًا كشريك موثوق وجاذب للاستثمار. وعندما يذهب ولي العهد إلى قلب الابتكار الأميركي وهو يشرف داخليًا على مشروع وطني عنوانه المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل، فهو يربط بين التحالف التقليدي مع واشنطن وبين دبلوماسية تقنية أكثر حداثة، تضع الأردن على رادار المستثمرين وشركات التكنولوجيا المتقدمة بوصفه منصة استقرار وتشريع ومهارات في الإقليم. وهنا تحديدًا تكمن القوة الرمزية: الانتقال من صورة الدولة المتلقية إلى صورة الدولة المباشِرة والحاضرة في غرف الابتكار العالمية

اقتصاديًا وتكنولوجيًا، فإن الدرس الأعمق من محطة Zipline هو أن الطائرة ليست سوى جزء صغير من المنظومة. فالشركة نفسها تصف نموذجها بوصفه شبكة لوجستية متكاملة تشمل إدارة المخزون، والوفاء بالطلبات، وأدوات إدارة الحركة الجوية المنخفضة، وليس مجرد درون يطير ويعود. وهذا مهم جدًا للأردن؛ لأن نقل التكنولوجيا لن يتحقق بشراء طائرات مسيّرة وعرضها في المؤتمرات، بل ببناء منظومة تشغيلية وتنظيمية كاملة. والفائدة المحتملة هنا كبيرة في القطاعات التي يعاني فيها عنصر الزمن من كلفة عالية: الصحة، واللوجستيات، والاستجابة للطوارئ، والتجارة الإلكترونية، خصوصًا في المناطق الأبعد أو الأقل خدمة. وتجارب Zipline في الصحة، وتجارب Wing وماترنت في التوصيل الهادئ والدقيق والبنية الأرضية والاعتمادات التنظيمية، تؤكد أن النجاح في هذا القطاع يقوم على تكامل الهندسة مع التنظيم مع القبول المجتمعي.

أما إذا أردنا ترجمة هذه الخبرة إلى الأردن بصورة عملية، فالمسار الواقعي هو التدرج، لا القفز. بدايةً ببرامج تجريبية محدودة في نقل العينات الطبية والدم والأدوية بين المستشفيات والمختبرات، ثم التوسع نحو الإمداد الطارئ والدفاع المدني، وبعدها فقط الانتقال إلى تطبيقات التجزئة والتجارة الإلكترونية على نطاق أوسع. هذا التدرج منطقي؛ لأن الأردن يملك مؤسسات يمكن البناء عليها، من جامعة الحسين التقنية وبرامج مؤسسة ولي العهد، إلى طموح المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل، إلى بيئة تحديث اقتصادي تراهن رسميًا على الاستثمار والشراكات ومشروعات الـPPP. لكنه يحتاج، في المقابل، إلى عمل تشريعي وتسهيلي متزامن من هيئة تنظيم الطيران المدني، وإلى دمج هذا الملف ضمن رؤية الأردن كمركز لوجستي وتدريبي وجوي، لا سيما وأن الدولة تطرح أصلًا تطوير دور المملكة كمحور للإمداد الجوي واللوجستي والتدريب على الطيران.

غير أن الطريق ليس مفروشًا بالتفاؤل وحده. فهناك تحديات تنظيمية واضحة تتعلق بالتشغيل خارج مدى الرؤية، وإدارة الارتفاعات المنخفضة، والمسؤولية القانونية، والتأمين، والتكامل مع المجال الجوي القائم. حتى في الولايات المتحدة ما يزال توسيع هذا النشاط مرتبطًا بمسار BVLOS وبمنظومات إدارة الحركة الجوية للطائرات غير المأهولة، فيما يواصل الأردن تحديث تعليماته ومسوداته ذات الصلة. وهناك كذلك تحديات بشرية وأخلاقية: الخصوصية، والسلامة، والضوضاء، وتقبل الناس للطائرات فوق الأحياء، فضلًا عن القلق المشروع من إعادة تشكيل وظائف التوصيل التقليدية. وإذا كانت الأتمتة قد تُزيح بعض المهام، فإنها تخلق في المقابل وظائف أعلى قيمة في التشغيل والصيانة والاعتماد والتحليل وإدارة الأساطيل؛ بشرط أن نسبق هذا التحول بسياسات تدريب وإعادة تأهيل، لا أن ننتظر نتائجه ثم نشتكي منها.

ولعل ما يميّز رؤية سمو ولي العهد أنها لا تكتفي بمتابعة التحولات العالمية عن بعد، بل تسعى إلى أن يكون الأردن جزءاً فاعلاً في صناعتها. فالمستقبل الذي يتطلع إليه سموه هو أردنٌ قادر على المنافسة، يحتضن الابتكار، ويستثمر في شبابه، ويوظف التكنولوجيا لخدمة التنمية وتحسين جودة الحياة. ومن هنا، فإن هذه الزيارات هي خطوات مدروسة في مسيرة بناء اقتصاد أكثر حداثة ومرونة، يواكب العالم ويصنع فرصه بنفسه، مستنداً إلى إيمان راسخ بأن الإنسان الأردني هو الثروة الحقيقية وصانع الإنجاز الأكبر.

مدار الساعة ـ