يقول كاتبُ هذه المقامة، وهو يعاصرُ العهدَ، ويشهدُ الوعدَ، ويرى الرايةَ الهاشميةَ تعلو في سماءِ الأردنِّ مجدًا وسؤددًا:
لما أقبلَ حزيرانُ على الأردن، أقبلَ كأنَّهُ موكبُ ضياءٍ تُقدِّمُهُ الرايات، وسفرُ سؤددٍ تُزيِّنُهُ الذكريات، وموسمُ مجدٍ تتلاقى فيه بشائرُ النهضةِ بمعاني الوفاءِ والبناء، وتأتلفُ فيه المآثرُ كما تأتلفُ الدررُ في جيدِ المجد، والنجومُ في قبةِ السماء؛ حتى بدا الشهرُ في وجدانِ الأردنيين عقدًا هاشميًّا من نور، انتظمتْ فيه رايةُ الثورة، ومهابةُ الجيش، وجلالُ الجلوس، وبهجةُ ميلادِ وليِّ العهد.وكانت عمّانُ يومئذٍ كأنّها تاجُ التاريخِ إذا تجلّى، ودارُ الوفاءِ إذا تزيّنت، ومنبرُ المجدِ إذا تحدّث؛ قد لبست من الصباحِ حُلّةَ البهاء، ومن الزمنِ وشاحَ الضياء، ومن العهدِ تاجَ السناء؛ جبالُها شامخةٌ شموخَ الرايةِ إذا علت، وشوارعُها نابضةٌ نبضَ المحبةِ إذا سرت، وقلوبُ أهلها مشرقةٌ بالبِشر، مزدانةٌ بالذكر، ملتفّةٌ حول اللواءِ التفافَ النجومِ حول بدرِها، كأنّ المدينةَ كلَّها قلبٌ واحدٌ يخفقُ باسم الأردن، ويقرأُ في حزيرانَ سفرَ الرايةِ والوعد.فسرتُ في طرقاتِ المدينة أطلبُ للمعنى بيانًا، ولليوم عنوانًا، ولحزيران سرًّا يليقُ بما اجتمعَ فيه من المآثر، وما انتظمَ في أيامه من مفاخر؛ فإذا بشيخٍ وقورٍ قد جلسَ على ربوةٍ من رُبى عمّان، في يده عصًا كأنها قلمُ التاريخ، وفي عينيه بريقٌ كأنهما نافذتان على ذاكرة الوطن.فدنوتُ منه، وقلتُ:أيها الشيخُ الجليل، ما بالُ حزيرانَ إذا أقبلَ على الأردن أقبلت معه الرايات، وانتظمت فيه المناسبات، وتفتحت في القلوبِ أزهارُ الوفاء والولاء؟فابتسم ابتسامةَ العارف، وقال:يا بُنيّ، إن الشهورَ في حسابِ الناسِ أرقام، وفي ضميرِ الأوطانِ أعلام. وحزيرانُ عند الأردنيين شهرٌ له في القلبِ مقام، وفي الذاكرةِ وسام، وفي سيرةِ الدولةِ نظام؛ فيه تُشرقُ رايةُ الثورةِ العربيةِ الكبرى إشراقَ النهضةِ حين تعلو، وتسمو فيه ذكرى الجيشِ العربيِّ المصطفوي سموَّ البطولةِ حين تتجلّى في ميادين الفداء ومعاني الوفاء، وتتجددُ فيه ذكرى الجلوسِ الملكي لجلالةِ الملكِ عبدالله الثاني ابنِ الحسين على العرش، حيثُ تقترنُ الحكمةُ بالهيبة، والرؤيةُ بالعزيمة، والقيادةُ بجلالِ الأمانة.ثم أطرقَ قليلًا، كأنَّهُ يستدعي من خزائنِ الوجدان معنىً عزيزًا، ثم قال:فإذا جاءَ الثامنُ والعشرون من حزيران، أضاءَ ميلادُ صاحبِ السموِّ الملكي الأميرِ الحسين بنِ عبدالله الثاني، وليِّ العهدِ المعظم، كأنَّهُ خاتمةُ العقدِ إذا اكتملَ نظامُه، وجوهرةُ التاجِ إذا استتمَّ بهاؤُه، ومسكُ الختامِ إذا فاحَ عبيرُه. فذلك يومٌ يزدادُ به حزيرانُ ألقًا، وتقرأُ فيه القلوبُ ملامحَ المستقبلِ في وجهِ الحاضر.قلتُ:وما منزلةُ هذا الميلادِ في وجدانِ الأردنيين؟قال:هو معنىً قبل أن يكونَ مناسبة، وامتدادٌ قبل أن يكونَ تاريخًا في التقويم. ففي هذا اليومِ يقرأُ الأردنيونَ صفحةً من أملهم في سيرةِ شابٍّ هاشميٍّ جمعَ اللهُ له بين رفعةِ المقامِ ولطفِ القرب، وهيبةِ المسؤوليةِ وصفاءِ الحضور، وسموِّ المنزلةِ وصدقِ الإصغاء.ثم قال:إنَّ الأميرَ الحسينَ في وجدانِ وطنه صورةُ الشابِ إذا اقترنَ الطموحُ بالمسؤولية، والحماسةُ بالحكمة، والهمةُ بالرؤية، والقولُ بالفعل. قريبٌ في حضوره، كريمٌ في تواضعه، رصينٌ في قوله، أمينٌ على رجاءِ جيله، وفيٌّ لعهدِ وطنه، يحملُ من شبابِ الأردنِ حماستَهم، ومن البيتِ الهاشميِّ حكمتَه، ومن الدولةِ رسالتَها، ومن المستقبلِ أفقَه.فقلتُ:لقد جمعتَ في وصفهِ بين المجدِ والمعنى، وبين الحاضرِ والغد.فقال:وهكذا تكونُ القيادةُ حين تشرقُ في النفوس؛ مقامٌ يزدانُ بالقرب، وقربٌ يزدانُ بالوقار، وحضورٌ يثمرُ ثقة، وثقةٌ تفتحُ للأجيال آفاقَها. وفي سموِّه تلتقي الرفعةُ بالتواضع، والطموحُ بالوعي، والعزمُ بالأدب، والرؤيةُ بالإنجاز، والحلمُ بالعمل؛ وتلك قلائدُ إذا انتظمتْ في قائدٍ شابٍّ أشرقتْ بها السيرة، واستبانتْ بها المسيرة، واطمأنَّ بها الوطنُ إلى مقبل أيامه.ثم أشارَ الشيخُ إلى المدينة، وقال:انظرْ إلى الأردن؛ وطنٌ صاغَ من الوفاءِ هوية، ومن العهدِ رسالة، ومن الإنسانِ غاية. وفي ظلِّ الرايةِ الهاشميةِ يكتملُ معنى الدولةِ حين تتصلُ الشرعيةُ بالخدمة، والقيادةُ بالناس، والرؤيةُ بالعمل، والمستقبلُ بالشباب.قلتُ:وما الشبابُ في هذه المقامة؟قال:الشبابُ فصلُها الأبهى، وسطرُها الأندى، وروحُها التي بها تحيا وتسمو. وقد جعلَ سموُّ وليِّ العهدِ من الشبابِ حضورًا راسخًا، ومن الثقةِ ممارسةً حيّة، ومن القربِ نهجًا أصيلًا؛ يلقاهم في ميادينِهم، ويصغي إلى أصواتِهم، ويبصرُ في طاقاتهم وعدَ الأردنِ المقبل، ويقرأُ في أحلامِهم عنوانَ النهضةِ المتجددة.ثم أخذَ الشيخُ بيدي، وقال:الشبابُ في رؤيته عمادُ البنيان، وروحُ التجديد، وذخيرةُ الدولة، وسواعدُ النهضة؛ بهم يشتدُّ الصرح، وبعلمِهم تُفتحُ الآفاق، وبانتمائهم تسمو الراية، وبوعيهم تتسعُ المسيرة. وهم، في حضرةِ هذا المعنى، ليسوا عددًا يُحصى، بل أثرٌ يُبنى؛ وليسوا فئةً تُذكر في الخطاب، بل قوةٌ تُسطَّر في الكتاب؛ وليسوا وعدًا مؤجلًا في انتظار الزمن، بل فعلٌ حاضر، وعزمٌ ظاهر، وضياءٌ زاهر.فقلتُ:ما أبلغَ هذا التصوير، وما أرفعَ هذا التدبير.فقال:يا بُنيّ، فصاحةُ الأوطانِ في أفعالها، وبلاغةُ الدولِ في رجالها، وبيانُ القيادةِ في أثرها. فإذا اجتمعَ في اليومِ تاريخٌ عريق، وحاضرٌ وثيق، وغدٌ مشرق، صار اليومُ مقامًا لا تاريخًا، ورسالةً لا عبارة، وذكرى تتجددُ كلما تجددَ الأملُ في القلوب.ثم أنشدَ الشيخُ، وقد بدا في صوته رنينُ الوفاءِ وندى المحبة:حزيرانُ أقبلَ والأردنُّ في أَلَقٍوالرايةُ البيضاءُ فوقَ المجدِ عنوانُفيهِ الثورةُ الكبرى تُضيءُ سبيلَهاوفيهِ للجيشِ عندَ العزِّ ميدانُوفيهِ جلوسُ مليكٍ صانَ دولتَهُوفيهِ للحسينِ إشراقٌ ووجدانُثم قال:وما أجملَ حزيرانَ حين يُقرأُ بعينِ الوفاءِ؛ يبدأُ بالثورةِ أصلًا، ويمرُّ بالجيشِ حصنًا، ويتجددُ بالجلوسِ الملكي عهدًا، ثم يُتوَّجُ بميلادِ الحسينِ وعدًا.أصلٌ وحصن، عهدٌ ووعد، رايةٌ وغاية، ماضٍ مجيد، وحاضرٌ رشيد، وغدٌ سعيد. فمن قرأهُ قراءةَ القلبِ رآهُ شهرًا تُشرقُ فيه الدولةُ من جهاتِها الأربع: نهضةٌ في الثورة، ومنعةٌ في الجيش، وحكمةٌ في الجلوس، ورجاءٌ في وليِّ العهد.قال كاتبُ المقامة:فوقفتُ عند كلامِ الشيخِ وقفةَ من وجدَ المعنى بعد طلب، وأدركَ السرَّ بعد تأمل. ورأيتُ أنَّ الثامنَ والعشرين من حزيران ليس ختامَ شهرٍ فحسب، بل فاتحةُ رجاء؛ وليس مناسبةً عابرةً في ذاكرةِ الأيام، بل موعدٌ تتجددُ فيه العزائم، وتشرقُ فيه القلوبُ بضياءِ الوفاءِ والانتماء.ثم التفتُّ إلى الشيخِ وقلتُ:من أنتَ؟فتبسّم وقال:أنا صوتُ حزيرانَ إذا تحدّث، وصدى الرايةِ إذا خفقت، وحرفٌ من كتابِ الأردنِ إذا قُرئَ بالوفاء.ثم مضى في ضوءِ المدينة، كأنَّهُ معنىً عادَ إلى معناه، وبقيَ في القلبِ من كلامهِ أثرٌ كالعطر، ومن حكمته نورٌ كالفجر.قال كاتبُ هذه المقامة:فلما توارى الشيخُ في ضوءِ عمّان، بقيَ صوتُهُ في القلبِ نداءً لا يخفت، ومعناهُ في الوجدانِ أثرًا لا يبهت، وحكمتُهُ في النفسِ نورًا كلما أقبلَ حزيرانُ تجددَ وازداد. فعلمتُ أنَّ هذا الشهرَ ليس صفحةً في تقويمِ الأيام، بل سِفرٌ هاشميٌّ مفتوح، تُقرأُ فيه الرايةُ عهدًا، والوعدُ مجدًا، والميلادُ إشراقًا يمتدُّ من ذاكرةِ الوطنِ إلى أفقِه المقبل.هناك، بين ضوءِ المدينةِ وهيبةِ المعنى، رفعتُ كفَّ الدعاءِ، وقلتُ: اللهم احفظ صاحبَ السموِّ الملكي الأميرَ الحسينَ بنَ عبدالله الثاني، وليَّ العهدِ المعظم، وباركْ في عمرهِ وعملهِ، وأدمْ عليهِ نعمةَ التوفيقِ والسداد، واجعلْهُ سندًا للأردنِ وشبابهِ، وذخرًا لمسيرتهِ، وامتدادًا لنهضتهِ، وموصولًا بعونكَ ورعايتكَ، في ظلِّ حضرةِ صاحبِ الجلالةِ الهاشميةِ الملكِ عبدالله الثاني ابنِ الحسينِ المعظم.مساعدة يكتب: ميلاد الحسين.. مقامةُ المجد والعهد
مدار الساعة ـ