مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات مستثمرون شهادة الموقف أحزاب جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

هل يجوز الحجز على رواتب المواطنين دون حكم قضائي؟ وهل تجاوزت سلطة المياه القضاء؟


المحامية بتول الرهايفة الحباشنة
ماجستير في القانون

هل يجوز الحجز على رواتب المواطنين دون حكم قضائي؟ وهل تجاوزت سلطة المياه القضاء؟

مدار الساعة ـ

بدأت القصة عندما تفاجأ مواطنون بقيام سلطة المياه بالحجز على أجزاء من رواتبهم في البنوك، وتهديد البعض بالحجز على سياراتهم وممتلكاتهم بسبب تراكم فواتير المياه، دون صدور أي أحكام قضائية أو أوامر تنفيذ صادرة عن المحاكم النظامية، وهو ما فتح باباً واسعاً للتساؤل حول السند القانوني الذي تستند إليه هذه الإجراءات، وحول مدى مشروعية انتقال جهة إدارية إلى التنفيذ الجبري على أموال المواطنين دون المرور عبر القضاء.

وعند العودة إلى البناء التشريعي الناظم لهذه المسألة، نجد أن المادة (16) من قانون سلطة المياه جاءت بنص صريح وحاسم في الدلالة، إذ قررت أن أموال سلطة المياه تُعد أموالاً عامة، وأن تحصيلها يتم بمقتضى أحكام قانون تحصيل الأموال الأميرية أو أي قانون آخر يحل محله، كما منحت الأمين العام صلاحيات الحاكم الإداري ولجنة تحصيل الأموال الأميرية، وهو ما يعني أن المشرّع لم يتعامل مع هذه الذمم بوصفها ديوناً مدنية عادية، بل نقلها صراحة إلى نطاق الأموال العامة الخاضعة لنظام تحصيل استثنائي.

وهذه الإحالة التشريعية ليست إحالة شكلية، بل هي إحالة إلى منظومة قانونية مكتملة في قانون تحصيل الأموال الأميرية، الذي يقوم في جوهره على استبدال التنفيذ القضائي بنظام تنفيذ إداري جبري، يبدأ من لحظة تنظيم التحققات والجداول، ثم تبليغ المكلفين وإنذارهم ومنحهم مدد السداد، وفق ما تقرره المادة (6)، ثم الانتقال إلى مرحلة النشر في الجريدة الرسمية لمن يتخلف عن الدفع، وهو إجراء ذو طبيعة إنذارية علنية يقصد به تثبيت الذمة وإقامة الحجة القانونية الكاملة على المكلف قبل الانتقال إلى التنفيذ.

ثم يأتي الدور الحاسم للمادة (7) التي تربط بين انتهاء المدد القانونية وبين مباشرة إجراءات الحجز، حيث لا يكون الحجز فعلاً ابتدائياً، بل نتيجة قانونية مترتبة على امتناع المكلف بعد استنفاد جميع مراحل التبليغ والإنذار، بما يعني أن المشرّع لم يمنح الإدارة سلطة مفاجئة أو اعتباطية، بل سلطة مقيدة بسلسلة إجرائية صارمة تشكل في مجموعها ضمانة قانونية قبل التنفيذ الجبري.

وتبلغ هذه السلطة أقصى مداها في المادة (9)، التي تجيز صراحة حجز الأجور والرواتب، بما في ذلك ثلث الراتب وربع راتب التقاعد، وهو نص بالغ الدلالة، لأنه يخرج الراتب من دائرة الحماية المطلقة التي تحكم التنفيذ المدني العادي، ويُخضعه لنظام استيفاء إداري مباشر، بما يعني أن المشرّع قد كسر هنا القاعدة التقليدية التي تشترط حكماً قضائياً للحجز على الأجر، واستبدلها بنظام قانوني خاص مصدره الإدارة مباشرة.

كما أن المادة (10) تكمل هذا البناء عندما تجيز الحجز على الأموال غير المنقولة وبيعها بالمزاد العلني، بل وتتعامل مع الذمة المالية في هذا السياق باعتبارها محلاً للتنفيذ الإداري الكامل، بما يؤكد أن المشرّع أنشأ نظاماً تنفيذياً متكاملاً خارج إطار القضاء، وليس مجرد إجراءات تحصيل بسيطة.

وعند الربط بين هذا النظام وبين المادة (16) من قانون سلطة المياه، يتضح أن المشرّع لم يترك الأمر لاجتهاد إداري، بل أنشأ دمجاً تشريعياً صريحاً يجعل من سلطة المياه جزءاً من منظومة التحصيل الإداري، بحيث تمارس صلاحيات التنفيذ الجبري بذات الأدوات التي يملكها قانون تحصيل الأموال الأميرية، بما في ذلك الحجز على الرواتب والأموال المنقولة وغير المنقولة.

غير أن هذا الامتداد الواسع لسلطة الإدارة لا يمكن فهمه باعتباره تفويضاً مطلقاً، بل هو تفويض استثنائي محكوم بمبدأ المشروعية المقيدة، أي أن الإدارة وإن كانت تملك سلطة التنفيذ دون حكم قضائي، إلا أنها لا تملك تجاوز الشكل الإجرائي الذي رسمه القانون، لأن المشروعية هنا لا تقوم على وجود السلطة وحدها، بل على طريقة استعمالها، بدءاً من التبليغ الصحيح، مروراً بانقضاء المدد القانونية، وانتهاءً بصدور قرار الحجز من الجهة المختصة ضمن حدودها القانونية.

وعليه، فإن الخلاصة القانونية الدقيقة التي تنتهي إليها هذه القراءة هي أن الحجز على الرواتب من قبل سلطة المياه لا يُعد في أصله إجراءً قضائياً لأنه لا يقوم عليه، بل هو إجراء إداري استثنائي مصدره القانون مباشرة، إلا أن هذه الاستثنائية ليست تفويضاً مفتوحاً، وإنما سلطة مقيدة بضمانات صارمة، وأن معيار المشروعية لا يُقاس بوجود الدين أو بطبيعة الجهة الدائنة، بل يُقاس بمدى الالتزام الدقيق بالنموذج الإجرائي الذي رسمه المشرّع، بحيث إن احترامه يجعل الحجز مشروعاً نافذاً، بينما أي انحراف عنه يجعله عملاً إدارياً قابلاً للإلغاء والمساءلة، رغم قيام السند التشريعي الأصلي

مدار الساعة ـ