مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

المساعدة يكتب: قراءة تحليلية في كلمات ولي العهد.. النشامى قدوة وطن


جهاد المساعدة

المساعدة يكتب: قراءة تحليلية في كلمات ولي العهد.. النشامى قدوة وطن

مدار الساعة ـ

ما كتبه سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، عقب ختام مشاركة المنتخب الوطني في كأس العالم، لم يكن تعليقًا وجدانيًا على مناسبة رياضية فحسب، بل قراءة وطنية عميقة في معنى الحضور الأردني على الساحة العالمية، وفي قدرة الرياضة على كشف معدن المجتمع، وإبراز قيمه، وتعزيز ثقته بنفسه وبأبنائه.

لقد نقل سموه النقاش من حساب النتيجة إلى رحابة المعنى؛ إلى الأخلاق، والهوية، والاحترام، والصورة المشرقة التي قدّمها النشامى عن الأردن. فحين قال إننا كسبنا بأخلاق النشامى احترام العالم لنا، كان يؤسس لمعيار أعمق للإنجاز؛ معيارٌ لا تحصره الأرقام، بل تصنعه طريقة حضور الوطن بين الأمم، وكيفية نظر الآخرين إليه، والصورة التي يقدّم بها أبناؤه هويته في الميدان.

ومن هنا جاءت عبارة سموه: كسبنا 11 قدوة لـ12 مليون أردني، لتفتح بابًا تربويًا واسعًا. فاللاعبون لم يكونوا مجرد أحد عشر لاعبًا في مباراة، بل غدوا نماذج في الالتزام، والعزيمة، والانضباط، والانتماء. والقدوة هنا ليست ادعاءً للكمال، بل صدق في المحاولة، وإخلاص في الأداء، واعتزاز بالراية حين تكون أنظار العالم شاخصة إلى الملعب.

كان منشور سموه، في جوهره، دعوة إلى قراءة الرياضة بوصفها مختبرًا لبناء الإنسان: أخلاقًا، وانضباطًا، وثباتًا، وقدرة على الحضور العالمي. فالمنتخب لم يمثل كرة القدم وحدها، بل حمل فكرة أوسع؛ أن أبناء هذا الوطن قادرون على المنافسة، والتأثير، وتقديم صورة تليق بالأردن في كل مجال.

وحضور الهوية كان واضحًا في كلمات ولي العهد. فالشماغ المهدب، والجماهير الأردنية، والجالية، والراية الواحدة، وأرض النشامى، لم تكن مجرد مظاهر احتفالية، بل علامات دالة على أن الأردن حضر بثقافته وروحه ووجدانه. لقد تحولت المدرجات إلى مساحة وطنية مفتوحة، وصار الجمهور جزءًا من الرسالة، وغدت الجالية امتدادًا حيًا للوطن خارج حدوده.

واللافت في كلمات سموه أنه جمع بين الفخر والوعي، وبين الاعتزاز والتوجيه. فلم يكن احتفاءً عاطفيًا بالمشاركة، بل تنبيهًا إلى ما ينبغي أن نتعلمه منها. أراد ولي العهد أن يوجّه النظر إلى ما وراء اللحظة الرياضية؛ إلى ما تصنعه من وحدة، وتماسك، وطموح، وعمل، وتضحية.

ومن أعمق ما ورد في كلماته أن الأوطان تبنى بالوحدة والتماسك والطموح والعمل الجاد والتضحية. بهذه العبارة خرج المشهد من حدود الملعب إلى معنى الدولة؛ فالرياضة هنا مدرسة في بناء الإنسان، والعمل الجماعي، والانضباط، والإيمان بالهدف. وما قدّمه النشامى يصبح مثالًا حيًا على أن الإنجاز لا يولد من المصادفة، بل من تراكم الجهد، وثبات الإرادة، وصدق الانتماء.

كما أن تأكيد سموه أن هذه المشاركة الأولى في كأس العالم ليست الأخيرة يحمل رسالة مستقبلية واضحة. إنها دعوة إلى تحويل الفخر إلى مشروع، والتجربة إلى تراكم، والحضور العالمي إلى بداية لمسار جديد. فالأمم التي تؤمن بأبنائها لا تكتفي بالاحتفاء بما تحقق، بل تبني عليه، وتطوره، وتجعله قاعدة لانطلاق أوسع.

ولذلك فإن منشور ولي العهد كان خطابَ ثقة قبل أن يكون تعليقًا على مشاركة المنتخب؛ ثقة بالنشامى، وبالجمهور، وبالشباب، وبقدرة الأردن على أن يكون حاضرًا ومؤثرًا. وهذه الثقة هي رأس المال الحقيقي لأي مجتمع يريد أن يتقدم، وأن يحوّل طموحه إلى إنجازات في الرياضة والتعليم والعمل والابتكار وسائر المجالات.

لقد قدّم سموه للأردنيين زاوية رؤية أوسع وأكثر إنصافًا؛ زاوية ترى في المنتخب قدوة، وفي الجمهور صورة حضارية، وفي الشماغ عنوانًا للهوية، وفي الجالية امتدادًا للانتماء، وفي المشاركة بداية لمسار أكثر طموحًا. وهكذا تحولت كرة القدم إلى مساحة لتجديد الإيمان بالإنسان الأردني، وبقدرته على الوصول والتميّز.

وفي المحصلة، ما كتبه ولي العهد هو نص في إعادة بناء المعنى الوطني للإنجاز. نص يقول للأردنيين إن حضورهم كان مشرفًا، وإن أخلاقهم وصلت قبل كلماتهم، وإن النشامى قدّموا للعالم صورة تستحق الفخر. لقد كانت المشاركة مناسبة رياضية، لكنها أصبحت في خطاب سموه درسًا في الهوية، ورسالة في الثقة، وبداية لطموح أكبر.

لقد كسب الأردن الكثير: كسب صورة مشرقة، وقدوات ملهمة، وجمهورًا واعيًا، وحضورًا يحترمه العالم، ويقينًا متجددًا بأن طموح الأردنيين حالة استثنائية، وأن القادم يمكن أن يكون أوسع وأجمل متى بقيت الراية خفّاقة، والإرادة ثابتة، والعمل مستمرًا.

مدار الساعة ـ