دائما ما كان حضور الأردن على الساحة العالمية وفي المحافل الدولية حضورا محترما ومقدرا. كل تمثيل للأردن في المناسبات العالمية، يحظى بالثناء. فالبلد الصغير على خريطة العالم يحظى بمكانة مقدرة عند الكبار. ممثلو الأردن دائما ما كانوا على قدر المسؤولية، بأدائهم وسمعتهم.
في الرياضة بوصفها معيارا حضاريا، حضر الأردن في منافسات متعددة ووقف أبطاله في عديد الرياضات على منصات التتويج، ونالوا الذهب والفضة في البطولات الفردية خاصة.في المونديال الحالي، كانت المرة الأولى التي يحضر فيها الأردنيون في مدرجات الملاعب، وشوارع المدن المكتظة بالمشجعين. منتخب النشامى منحنا هذه الفرصة التاريخية لنكون وسط أمم عريقة في لعبة هي الأكثر شعبية في العالم.في تواجدهم المنظم والكثيف، وسلوكهم الحضاري الراقي، وتشجيعهم بروح عالية، حاملين رموز ثقافتهم وتاريخهم باعتزاز وفخر، بدا الأردنيون وكأنهم قد شاركوا مرات عديدة من قبلُ في هذه المناسبة، مع أنها المرة الأولى لمنتخبنا الوطني.صحيح أن جهات رسمية عديدة كوزارة السياحة وهيئة تنشيط السياحة واتحاد كرة القدم، والسفارة الأردنية في الولايات المتحدة، بذلوا جهودا طيبة في التحضير لهذه المشاركة، لكن الروح الأردنية لعشرات الآلاف من المشجعين الأردنيين، هي التي أحدثت الفرق في الميدان.ولحسن حظنا أن مباريات النشامى الثلاثة كانت في مدن أميركية، وسط جالية أردنية هي الأضخم في الدول الغربية. وكان أمرا مثيرا بحق، هذه الحماسة الكبيرة من أبناء الجالية في إدارة وتنظيم مجاميع المشجعين، والحضور النشط في المدرجات. المئات ممن شاهدناهم في الساحات ومناطق المشجعين، هم من الشباب والفتية صغار السنّ، ومعظمهم على الأرجح ممن ولدوا وتربوا في الولايات المتحدة، لكن مجرد حضور الأردن في المونديال فجّر فيهم حنينا جارفا لوطنهم الأمّ، تجلى في تفاعل غير مسبوق مع مشاركة النشامى، لمستوى يفوق حماس المشجعين هنا في الأردن.كانوا فخورين ببلدهم وبتراث شعبهم، ومشاركة منتخب يمثل الأردن. لقد أظهرت هذه المناسبة أن المغتربين الأردنيين هم بحق القوة الناعمة للأردن في الخارج.لقد علمت من متابعين أردنيين هناك أن أبناء الجالية أنفقوا من جيوبهم بسخاء على الفعاليات الخاصة بالمشجعين، وقدموا كل دعم ممكن لأشقائهم القادمين من الأردن لتشجيع النشامى.والأردني بحضوره المحترم هذا، كان يعلم أن الملايين حول العالم من متابعي كأس العالم، لا تغريهم مشاهدة المنتخبات المشاركة فقط، بل يجذبهم أكثر هوية الشعوب الثقافية وتقاليدهم، وموسيقاهم وطعامهم وقيمهم الحضارية. وفي هذا الميدان قدّم الأردنيون في المونديال أفضل ماعندنا وأرقى ما نحمل من تواضع ومودة وروح إنسانية تحترم الآخر، وفي نفس الوقت تعتز بنفسها وبإرثها الحضاري.غادر منتخبنا بكل أسف المونديال من دور المجموعات، لكن الأردن يبقى حاضرا في هذه التظاهرة العالمية، بفضل الأردنيين الذين شاركوا في فعالياته؛ هناك في الولايات المتحدة، وهنا في المدن الأردنية، والأكثر أهمية على منصات التواصل ووسائل الإعلام، التي نقلت هوية الأردن للملايين حول العالم. وجذبت اهتمامهم لزيارة بلدنا والتعرف أكثر على ثقافة شعبه وتاريخه الطويل.لقد قدمنا قصتنا للعالم، لم يعد العالم يعرف الأردن فقط، صار يعرف الأردنيين أيضا. هذا الفوز يعوضنا عن خسارة المباريات.المونديال.. الأردنيون في حضورهم المحترم
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ