مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

بطّاح يكتب: لماذا لم يسقط النظام الإيراني؟!


د. أحمد بطاح

بطّاح يكتب: لماذا لم يسقط النظام الإيراني؟!

مدار الساعة ـ

لعلّ أحداً لا يشك في أنّ النظام الإسلامي الإيراني تلقى ضربة هائلة في الحرب الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل عليه قبل مدة، حيث انطوت هذه الحرب على قتل المُرشد الإيراني الأعلى "علي خامنئي" بكل ما له من ثِقَل وعدد غير قليل من النخبة السياسية والعسكرية والعلمية، وقد رافقت عملية التصفية هذه خطابات من ترامب ونتنياهو تُحرّض الجماهير الإيرانية على التمرد والخروج على النظام رغم ادعائهما أنّ إسقاط النظام السياسي الإيراني لم يكن من أهدافهما.

والواقع هو أنّ النظام الإيراني صمد بقوة أمام المهاجمين، بل وامتلأت الساحات بالجماهير الإيرانية المعبّرة عن مساندتها للنظام، واستعدادها للدفاع عن "إيران" في وجه "الغزاة" "المعتدين"!

إنّ هناك أسباباً عديدة تقف وراء عدم سقوط النظام الإيراني بل وخروجه أكثر قوةً بعد توقف الحرب رغم أنه ربما كان في أكثر حالاته ضعفاً قبل نشوبها ولعلّ أهم هذه الأسباب:

أولاً: طبيعة النظام السياسي الإيراني المستمد في الأساس من الثقافة الإسلامية الشيعية الاثنا عشرية وهذا المذهب هو مذهب الأكثرية في إيران، ومنصوص عليه في الدستور الإيراني، وإذا قارنا هذا النظام بنظام الشاهٍ شاهية (الملكية السابقة على تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية في عام 1979) نجد أن هذا النظام الذي يَنُص على "ولاية الفقيه" هو أكثر صلة بالشعب الإيراني من النظام الملكي السابق عليه والذي كان يركز في الأساس على الطابع القومي الفارسي ويهمل إن لم نقل يحارب البعد المذهبي للشعب الإيراني.

ثانياً: أنّ النظام السياسي الإيراني الحالي -وبغض النظر عن أيّ سلبيات يمكن أن تُسجل عليه وهي موجودة- يعكس نزعة استقلالية قوية ورغبة في التحرر من الهيمنة الغربية، ولذا فلا عجب إذا نظر الشعب الإيراني إلى الهجمة الأمريكية الإسرائيلية التي شُنّت عليه على أنها محاولة لإعادة السيطرة الغربية الإمبريالية على إيران تماماً كما فعلت الولايات المتحدة عندما أسقطت رئيس الوزراء الإيراني السابق المُنتخب (مُصدق) وأعادت الشاه (محمد رضا بهلوي) إلى عرشه في خمسينيات القرن الماضي.

ثالثاً: عدم وجود معارضة ذات مصداقية يمكن أن تحل محل النظام الإيراني في حالة سقوطه، فنجل شاه إيران الأخير، ومنظمة "مجاهدي خلق" وغيرهما ليس لهما أيّ وزن جماهيري حقيقي يمكن التعويل عليه في حالة سقوط النظام، وغني عن القول أنّ الأقليات (مثل الأكراد) التي أمل الأمريكيون والإسرائيليون في انتفاضتهم ضد النظام وقت المعركة لم يتحركوا بجدية، والحقيقة هي أنّ الشعب الإيراني بكل فئاته الرئيسية (الفرس، العرب، الأكراد، البلوش...) بَرهَن على أنّ هناك ما يجمعه أكثر مما يفرقه ولم يأبه للدعوات الأجنبية التي عبر عنها المهاجمون مُدركاً أنها لن تؤدي إلّا إلى التقسيم ولصالح القوى الأجنبية الطامعة!

رابعاً: أنّ النظام السياسي الإيراني مُركّب يتألف من مؤسسات عديدة يسند بعضها بعضاً في حال الخطر (الرئاسة، البرلمان، مجلس تشخيص مصلحة النظام، مجلس الخبراء...) ومن الناحية العسكرية والأمنية يحمي هذا النظام "حرس ثوري" مؤدلج (مؤمن بقوة بخيار ولاية الفقيه) ولديه من الموارد ما يُمكّنه من المقاومة الفاعلة، كما أن لديه من المصالح ما يدفعه للحفاظ عليها بل وللموت في سبيلها.

خامساً: أنّ النظام السياسي الإيراني فيه بعد ديمقراطي شعبي فضلاً عن البعد الثيوقراطي (الديني) الأساسي، فرئيس الجمهورية يُنتخب من الشعب مباشرة، والمجالس المختلفة التي يتألف منها النظام والتي أشرنا إليها آنفاً تتم عضويتها عن طريق الانتخاب كما أن البرلمان الإيراني يتم انتخاب أعضائه من الشعب مباشرةً أيضاً، ولذا فيمكن القول بأنّ النظام السياسي الإيراني نظام "ثيوقراطي نخبوي" ولكنه نظام شعبي أيضاً وإن بحدود معينة ومضبوطة.

سادساً: أنّ حالات "عدم الرضا" عن النظام التي عبّر عنها الإيرانيون قبل الحرب وفي مناسبات عديدة كانت بسبب الأوضاع الاقتصادية في الأساس حيث تعرضت البلاد للمقاطعة والعقوبات منذ ما يزيد عن 47 عاماً، ولم تكن بسبب الاختلاف على جوهر النظام السياسي وخياراته وتوجهاته.

سابعاً: أنّ النظام السياسي الإيراني خلق من إيران دولة إقليمية وازنة ذات نفوذ (Leverage) وذلك من خلال عدد من الحلفاء (أو الوكلاء إن شئت) كحزب الله في لبنان، والمجموعات المسلحة في العراق، والحوثيين في اليمن وإلى درجة أنّ أحد الساسة الإيرانيين قال متبجحاً وبصريح العبارة "أنّ إيران تسيطر على أربع عواصم عربية" (بغداد، دمشق، بيروت، صنعاء) وذلك قبل سقوط النظام السوري السابق بالطبع. إنّ هذا الوضع خلق نوعاً من الفخر لدى الإيرانيين وجعلهم يستعيدون ولو لبعض الوقت شعوراً بأنّ أُمتهم التي كانت إمبراطورية تهيمن على معظم الشرق الأوسط ذات يوم ما زالت قوة مُهابة يُفتخر بها!

وفي المحصلة، فإنّ كثيرين راهنوا على سقوط النظام الإيراني بسبب الهجمة الشرسة التي شنها الأمريكيون والإسرائيليون على إيران لما يزيد عن أربعين يوماً، ولكن الأسباب الموضوعية التي ذكرناها أنفاً كانت وراء صمود النظام الإيراني، ولعلّنا لا نبالغ إذا قلنا بأنّ هذا النظام أصبح أكثر قوةً مما كان عليه قبل الحرب وإن كان لا بد له أن يعيد مراجعة حساباته وخياراته وتوجهاته في ضوء نتائج الحرب لأنّ فيه من عوامل الضعف ما يكفي إن لم يستدرك، ويعي، ويتعلم!

مدار الساعة ـ