يجب أن نذكر في فاتحة الحديث أنَّ استشراف المستقبل لم يعد ترفاً فكرياً، ولا ضرباً من ضروب التنبؤ المجرد، وإنما غدا أداةً استراتيجيةً تُبنى عليها السياسات العامة، وتُصاغ في ضوئها الخطط التنموية بعيدة المدى. ولا يخفى على ذي بصيرة أنَّ الاقتصادات التي نجحت في التحول من الهشاشة إلى الاستدامة لم تبلغ ذلك مصادفةً، وإنما أفضى إليها حسن استقراء المستقبل، وربط الحاضر بما يمكن أن يؤول إليه الغد. ومن هذا الباب نذكر أنَّ الاقتصاد الأردني يقف اليوم أمام مرحلةٍ فارقةٍ تفرض إعادة النظر في نموذج النمو السائد، واستجلاء المسارات التي يمكن أن تقوده إلى عام 2050 في ظل تحولاتٍ عالميةٍ متسارعة، تتشابك فيها الثورة التكنولوجية، والتغيرات الجيوسياسية، وضغوط الموارد الطبيعية، وتبدل موازين الاقتصاد الدولي.
وغنيٌّ عن البيان أنَّ مستقبل الاقتصاد الأردني لن يتحدد بعاملٍ منفرد، وإنما سيتشكل من خلال التفاعل بين جملةٍ من المحركات الاقتصادية والمؤسسية، في مقدمتها التحول الإنتاجي، والإدارة الرشيدة للموارد، وجودة الحوكمة الاقتصادية، إلى جانب القدرة على التكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية. ومقتضى ذلك أنَّ أي قراءةٍ للمستقبل لا ينبغي أن تقتصر على مؤشرات النمو، وإنما يتعين أن تمتد إلى تحليل البنية الاقتصادية التي ستنتج ذلك النمو، ومدى قدرتها على تحقيق الاستدامة والمرونة.وعند إمعان النظر يتبين أنَّ السؤال الجوهري الذي سيحدد ملامح الاقتصاد الأردني حتى عام 2050 يتمثل في الكيفية التي يمكن من خلالها الانتقال من اقتصادٍ يعتمد بدرجةٍ كبيرةٍ على الطلب المحلي، والتحويلات، والأنشطة الخدمية التقليدية، إلى اقتصادٍ يقوم على الإنتاج، والتصدير، والقيمة المضافة، والمعرفة. ولا مرية في أنَّ هذا التحول لا يتحقق بمجرد زيادة حجم الاستثمار أو توسيع الإنفاق، وإنما يرتبط ارتباطاً وثيقاً برفع الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج، وتعميق الابتكار، وتوطين التكنولوجيا، وبناء منظومةٍ تعليميةٍ قادرةٍ على إعداد رأس مالٍ بشريٍّ يمتلك مهارات المستقبل. فالاقتصاد الذي لا ترتفع إنتاجيته يظل أسيراً لمعدلات نموٍّ محدودة، مهما اتسعت قاعدة التشغيل أو ازدادت مستويات الإنفاق.ومن القمين ذكره أنَّ رأس المال البشري سيبقى حجر الزاوية في أي تحولٍ اقتصاديٍّ مستدام. فالثروة الحقيقية للدول لا تُقاس بما تختزنه من موارد، وإنما بما تمتلكه من عقولٍ قادرةٍ على الإبداع والإنتاج. وإذا تقرر هذا، أمكن القول إنَّ نجاح الأردن في تحويل تركيبته السكانية إلى ميزةٍ تنافسيةٍ يقتضي إعادة بناء منظومة التعليم والتدريب على أسسٍ أكثر مرونةً، وربطها باحتياجات سوق عملٍ سريع التغير، إلى جانب تبني سياساتٍ ترفع المشاركة الاقتصادية، ولا سيما بين الشباب والنساء، من خلال توفير بيئة عملٍ أكثر مرونةً، وشبكات نقلٍ عامٍّ أكثر كفاءةً، وخدمات رعايةٍ اجتماعيةٍ تُيسر الاندماج في النشاط الاقتصادي.ومما يستوقف الناظر أنَّ التحول الرقمي لن يكون قطاعاً مستقلاً داخل الاقتصاد، وإنما سيغدو البنية التي ستعيد تشكيل مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية. فالبيانات، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد الرقمية، والخدمات العابرة للحدود، ستصبح مرتكزاتٍ للاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة. ومن هذا الوجه يمتلك الأردن فرصةً واعدةً إذا أحسن توجيه استثماراته نحو اقتصاد الخدمات الحديثة، بما يشمل التكنولوجيا المالية، والأمن السيبراني، والتعهيد المتخصص، والخدمات الصحية والتعليمية الرقمية. غير أنَّ تحقيق هذه الفرصة يقتضي بنيةً تحتيةً رقميةً عالية الكفاءة، وأطراً تنظيميةً مستقرةً، ومنظومةً تمويليةً تدعم الابتكار، فضلاً عن ربط البحث العلمي بالاحتياجات الحقيقية للقطاعات الإنتاجية.وفضلاً عن ذلكم المنحى، فإنَّ القطاع الصناعي مرشحٌ لاستعادة دوره بوصفه أحد أهم روافع النمو الاقتصادي، شريطة أن ينتقل من الصناعات التقليدية إلى صناعاتٍ أكثر تعقيداً، وأعلى قيمةً مضافةً، وأكثر ارتباطاً بالأسواق العالمية. ويستبان من ذلك أنَّ التصنيع المتقدم، والصناعات الدوائية، والغذائية عالية الجودة، وتقنيات الطاقة النظيفة، يمكن أن تمثل محاور استراتيجيةً للاقتصاد الأردني خلال العقود المقبلة. غير أنَّ هذا التحول يقتضي سياسةً صناعيةً ذكيةً تقوم على تطوير التجمعات الصناعية، وخفض كلف الإنتاج، وتحسين الخدمات اللوجستية، وتوسيع الاعتراف الدولي بالمواصفات الوطنية، بما يعزز القدرة التنافسية للصادرات الأردنية.ولا بد من الإشارة في هذا المضمار إلى أنَّ الطاقة والمياه ستبقيان من أكثر المحددات تأثيراً في مستقبل الاقتصاد الوطني. فالندرة المتزايدة للموارد المائية، وتقلبات أسواق الطاقة، تفرضان إعادة صياغة سياسات إدارة الموارد على أسسٍ أكثر كفاءةً واستدامةً. ومن ثَمَّ فإنَّ الاستثمار في الطاقة المتجددة، وتقنيات التخزين، والشبكات الذكية، وإعادة استخدام المياه المعالجة، وتقنيات التحلية الحديثة، لم يعد خياراً تنموياً، وإنما أصبح ضرورةً اقتصاديةً تقتضيها اعتبارات الأمن المائي والطاقة واستدامة النمو.ومما يحسن التنبيه عليه أنَّ المالية العامة ستظل إحدى الدعائم الرئيسة لاستقرار الاقتصاد الأردني حتى عام 2050. وليس بخافٍ أنَّ جودة الإنفاق العام لا تقل أهميةً عن حجمه، لأنَّ توجيه الموارد نحو التعليم، والصحة، والبنية التحتية الإنتاجية، والبحث العلمي، يمثل استثماراً في النمو المستقبلي أكثر من كونه إنفاقاً استهلاكياً. وعليه ينبني القول إنَّ إصلاح الإدارة المالية، وتعزيز الامتثال الضريبي، وتطوير كفاءة الإنفاق، وتحسين منظومة المشتريات العامة، ستحدد قدرة الدولة على تمويل التحول الاقتصادي دون تعريض المالية العامة لضغوطٍ متزايدة.ويرى الفاحص أنَّ بيئة الاستثمار ستكون العامل الحاسم في استقطاب رؤوس الأموال النوعية خلال العقود المقبلة. فالمستثمر لم يعد يبحث عن الحوافز الضريبية وحدها، وإنما ينشد منظومةً تشريعيةً مستقرةً، وقضاءً تجارياً سريعاً، وإجراءاتٍ واضحةً، ومستوىً مرتفعاً من الشفافية والحوكمة. ومؤدى ذلك كله أنَّ تعزيز الثقة المؤسسية سيغدو أحد أهم عناصر التنافس بين الاقتصادات، وربما يفوق في أثره كثيراً من الحوافز المالية التقليدية.ومن الجلي للناظر أنَّ محدودية السوق المحلية تجعل التجارة الخارجية ركيزةً لا غنى عنها في استراتيجية النمو الأردنية. وإذا تقرر هذا، أمكن القول إنَّ المستقبل الاقتصادي يقتضي بناء استراتيجيةٍ تصديريةٍ تقوم على الاندماج في سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية، وتنويع الأسواق، وزيادة المحتوى المحلي في الصادرات، وتطوير البنية اللوجستية، بما يعظم الأثر الاقتصادي للصادرات على التشغيل والدخل والاستثمار.ويحسن ألا ننسى أنَّ السياحة ستظل أحد القطاعات القادرة على توليد قيمةٍ اقتصاديةٍ مرتفعة، متى انتقلت من مفهوم الزيارة التقليدية إلى صناعة التجربة المتكاملة. فالسياحة العلاجية، والبيئية، والثقافية، وسياحة المؤتمرات، تمثل جميعها فرصاً واعدةً لزيادة الإيرادات، ورفع متوسط إنفاق السائح، وإطالة مدة الإقامة، شريطة تطوير البنية التحتية، ورفع جودة الخدمات، والاستناد إلى أدوات التسويق الرقمي وتحليل البيانات.وعند التأمل المتأني يمكن استشراف ثلاثة مساراتٍ رئيسةٍ لمستقبل الاقتصاد الأردني حتى عام 2050. يتمثل المسار الأول في سيناريو متفائلٍ تتسارع فيه الإصلاحات الاقتصادية، وترتفع الإنتاجية، وتتوسع الصادرات الصناعية والخدمية، وتنخفض معدلات البطالة تدريجياً. أما المسار الثاني، فيفترض استمرار الإصلاح بوتيرةٍ متوسطة، بما يحقق استقراراً اقتصادياً دون إحداث تحولٍ هيكليٍّ عميق. في حين يرتبط المسار الثالث بتباطؤ الإصلاحات، وارتفاع كلف الموارد، واستمرار اختلالات سوق العمل، وهو ما قد يفضي إلى ضغوطٍ متزايدةٍ على المالية العامة، ويحد من القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.ونجد في قفل هذا المسار أنَّ ترجيح السيناريو الإيجابي لا يرتبط بعاملٍ واحد، وإنما بمنظومةٍ متكاملةٍ من السياسات تقوم على الاستثمار في رأس المال البشري، وتعزيز الإنتاجية، وتطوير البنية التحتية الرقمية والمادية، وترسيخ الحوكمة الاقتصادية، ورفع كفاءة المالية العامة، وتحفيز الابتكار، وتوسيع قاعدة الصادرات. وخلاصة ما انتهى إليه النظر أنَّ عام 2050 ليس تاريخاً بعيداً يُنتظر، وإنما مشروعٌ يبدأ من القرارات التي تُتخذ اليوم. فالدول لا تبلغ مستقبلها صدفةً، وإنما تصنعه برؤيةٍ واضحة، وإرادةٍ سياسية، وسياساتٍ اقتصاديةٍ تستند إلى المعرفة، وتستشرف المتغيرات، وتبني اقتصاداً أكثر مرونةً، وأعلى إنتاجيةً، وأقدر على المنافسة في عالمٍ لا يعرف الثبات.الدروبي يكتب: استشرافٌ مستقبليٌّ للأردن حتى عام 2050.. قراءةٌ اقتصاديةٌ في المسارات المحتملة
عبدالله الدروبي
الدروبي يكتب: استشرافٌ مستقبليٌّ للأردن حتى عام 2050.. قراءةٌ اقتصاديةٌ في المسارات المحتملة
مدار الساعة ـ