مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

لماذا أطاحوا بالصحفي الأردني فايز الفايز

مدار الساعة,أخبار الأردن,اخبار الاردن
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - كتب:عبد الهادي راجي المجالي -

.. اليوم مررت على فايز الفايز في مقالي، واعذرني يا صديقي إن مررت.. فأنت من الناس الذين يستحقون أن نقف عندهم مطولا لا أن نمر .

فايز هو البدوي ابن الكبد النازف على البلد ، منذ سمرة وجهه .. منذ أن ارتفعت سيوف (بني صخر) في وجه (الخوين)، منذ أن شق الرمح خطاه في المدى الأردني.

ياما تسامرت معه، وجلسنا أنا وهو والراحل سامي الزبيدي حتى مطلع الفجر ...لايوجد أحد في الأردن يمتلك ثقافة مثلما يمتلك سامي الزبيدي ، ولا يوجد أحد في الأردن يمتلك لغة رصينة مثل لغة فايز الفايز ، الخطأ في النحو لديه أو في الصياغة يشبه انكشاف العورة.. لهذا لم يخطئ في مقال يوما ، هذا الأسمر البدوي.

ترك فايز موقعه في سلطة العقبة، أو لنقل قاموا بالإطاحة به ...خسئوا (درداح) الفايز أطاح بالتاريخ كاملا ولم يطح به ، وهذا الدم من ذاك الدم ... وفايز مثلي ترك الكتابة في الرأي، وأنا لم أتركها لخلاف مع رئاسة تحريرها، بل تركتها احتراما لظرف رئيس تحريرها خالد الشقران... فقد عوتب كثيرا على السقوف التي صنعناها ، والرجل كتلة من الأدب ولا يستحق العتب أو الضغط .

فايز جالس في منزله وأنا مثله في منزلي ...

يا فايز اسمع ماذا سأقول لك اليوم:

لا تعتب على أحد يا رفيق الخطى المتعبة، وابن المروءة منذ أن ولدت ...

هذا زمن يغتال القمح والورد والخيل والرماح والقمر ..لقد اغتالوا القمر في بلادنا وتريد لدمنا أن يسلم..

هذا زمن يغير مجرى النهر إن تطلب الأمر ، ويغير لون العيون والوجوه.. ويذبح فنجان قهوتنا ، حتى فناجين القهوة لم يتركوا لنا أن نستلذ بطعم البن فيها... أراقوها دما على شفاهنا ...

يا فايز ...

يا ابن الموجعات من أيامنا ، ويا ابن الشوامخ ....

هذا زمن يلوك عظمنا ، على الهوية.. ويفصل الهوية على مقاسات طاولات المكاتب في مباني مراكز القرار الفخمة، ويعاتبنا على الدمعة إن سقطت حرى على الخد وجرفت من جلدنا وأسست مسارات من البلوى والوجع.. اي وطن هذا الذي يلومك على الدمع؟

لو كان المتنبي لدينا لاغتالوه وحولوه لأمن الدولة ولقالوا عنه مندس...

لو جاء أبو العلاء المعري لنا ، لاتهموه بتهريب المخدرات والإرتباط بشبكة غسل أموال واتجار بالبشر ..

ولو أن عبدالرحمن الكواكبي ولد هنا ، لحولوه من مفكر إلى كاتب أغنيات شعبية ، وأعظم منجزاته أن عمر العبداللات غنى من كلماته...

من أعاتب يا ابن دمي والبلوى واحدة..

وعلى أي اتجاه نصرخ.. الجنوب : مثخن مثل روحي بالجراحات، وكلما عدت إلى الكرك أشعر بأن التراب حتى التراب في الكرك يريد الهروب ، أي أرض هذه تلك التي يضج التراب فيها من وطأ أوجاع البشر ...

لكنك تبقى فايز الفايز .. صياد العبارات المنتقاة، وابن اللغة العذراء التي لاتعرف تزلفا ولا تختم المقال بنفاق....

تبقى فايز الذي ظل يذكرنا بتاريخ البدو ، وكنت أظن في لحظة أنه حين يكتب يملأ قلمه من رمل صحراء حملت قوافل بني أمية، وارتوت من التاريخ.. ونامت على جذع نخلة.

فايز ..

نحن في النهاية مثل عرار ، ولدنا من رحم التمرد، وسننتهي مثل عرار.. طريد القصائد الصاخبة، والمنفى كان الوطن... مثل عرار تماما حاول أن يربط بين الريح وأغصان أشجار البلد، لكن الريح أبت والأغصان .. حتى الأغصان جندوها ضده وصارت عدوة للشعر ... لم يمت على (فرشة) بل قرر أن يموت على البحر الكامل، وذخيرته من الشعر ما زالت، وقلبه مازال يرمي...

نحن الهنود الحمر في رائعة تيسير السبول ، المشهد شاشة ويبهرنا الضوء ، لكن نصيبنا ما تبقى من كراسي في الخلف ، أكان تيسر يقرأ وجهي ووجهك ، أم كان يقرأ وجه شعب كامل ...

ونحن يا فايز بالرغم من كل ذلك شاءوا أم رفضوا .. سنبقى تمر الجزيرة وأعذب من ما تدفق من بردى ، وأحلى أغنيات..

هل تذكر محمد عبده وهو يصدح : (ياضايق الصدر بالله .. وسع الخاطر) ..فوسع من خاطرك يافايز ، على الأقل استجابة لمحمد عبده وليس لسماسرة البؤس الوطني.

يا حبيبي وأخي..

ذات يوم سنقف على بوابات شيحان وذات يوم سيصعد العشق في أم العمد .... تأكد يا ابن دمي أني لن أكون في عرفهم مسيحا مصلوبا، ولا أنت ستكون الهدف ... وتأكد أننا سنسترد الأردن، الأردن الحقيقي.. الأردن النازف، سنسترده .. حلوا طيبا مثل السحاب في نيسان، مثل كحل صبية غازلها هواء السلط فاستوى الزغب كعنقود على دالية، مثل سيف علي، مثل الايات التي تتلى على قلب طفل أصابته الحمى في تشرين .. فكانت النجاة ...

سلامي لك يا أعذب وأرق وأنيل بدوي خط في اللغة لاجدوى خطاه، واستطاب الصمت بعد أن اغتالوا المروءة.


مدار الساعة ـ