مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات مستثمرون شهادة الموقف أحزاب جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

دراسة وصفية لكتاب الدكتور صبري ربيحات: 'وكأني لا زلت هناك'

مدار الساعة,أخبار ثقافية,الملك عبدالله الثاني,كورونا,الأمن العام,مجلس النواب,الجامعة الأردنية
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - كتب: التربوي صالح المشاعلة - عرفتُ معالي الأخ والصديق العزيز الدكتور صبري الربيحات عندما كنا طالبين في كلية التربية في الجامعة الأردنية، وقد جمعتنا علاقة مميزة، إذ وجدت فيه الطموح، والهمة، والإيمان العميق بالعلم، والبساطة، والقدرة على التكيف مع أجواء الجامعة التي كانت آنذاك بيئة جديدة وغريبة على أبناء القرى البعيدة.

وقد آثرتُ في هذه القراءة أن أتخذ المنهج الوصفي بدلًا من الدراسة التحليلية، لأسباب عدة، في مقدمتها ضيق الوقت، ورغبتي في تقديم عرض موجز ومفيد يعرّف القارئ بهذا الكتاب القيّم.

وفي تقديري، فإن من أكثر الكتب نفعًا وفائدة السير الذاتية التي تقدم تجارب ثرية لأشخاص تركوا بصمات واضحة في الحياة، وقدموا نماذج ناجحة تستحق التأمل والاستفادة.

صدر كتاب الدكتور صبري الربيحات «وكأني كنت هناك» عن مطبعة السفير عام 2025م، في (٥٦٥) صفحة من القطع الكبير، متضمنًا أحد عشر فصلًا، إضافة إلى الإهداء ومقدمة المؤلف. وقد جاء ثمرة تجربة إنسانية وفكرية ثرية، امتدت عبر مراحل متعددة من حياته، وكانت مشحونة بالمواقف والمشاعر التي تعبر بصدق عن مقولة إليزابيث براوننغ: «إن الإنسان كالعنبر، لا تفوح رائحته إلا بعد أن يُطحن.» كما تؤكد مضامين الكتاب ما ذهب إليه الناقد الألماني فريدريش نيتشه من أن الفكر ابن صاحبه، وابن عصره، وابن البيئة الحضارية التي تشكل فيها.

لقد قرأت هذا الكتاب حرفًا حرفًا، وكلمة كلمة، لذلك أستطيع أن أستخلص بعض ملامح شخصية مؤلفه، سواء مما رواه عن نفسه، أو مما عرفته عنه خلال مسيرته العملية منذ كان معلمًا، ثم ضابطًا، ثم وزيرًا، وصولًا إلى حضوره الفكري والثقافي. وسأحاول فيما يأتي أن ألج شيئًا من عالم هذا الكاتب المبدع، وأنا على يقين بأن وصف الدكتور صبري بأنه "وزير سابق" لا يفي بحقيقة حضوره؛ فالألقاب الإدارية لا تختزل الإنسان الاستثنائي، ولا يمكن للمنصب أن يحيط برجل صاغ تجربته خارج القوالب الجاهزة، وجعل من السياسة فعلًا أخلاقيًا قبل أن تكون ممارسة للسلطة.

ولم يكن الدكتور صبري الربيحات شخصية لافتة لأنه جمع بين السياسة والأمن فحسب، بل لأنه نجح في تحويل انتمائه للوطن الكبير، ولقريته الصغيرة في أقصى الجنوب، إلى طاقة وطنية جامعة ومشروع أخلاقي رحب.

وقد بدأت ملامح هذه الشخصية تتشكل مبكرًا في بيئة لم تكن سهلة ولا نمطية؛ فأن يولد رجل دولة في قرية نائية ليس تفصيلًا عابرًا، بل مفتاحًا لفهم شخصيته ومسيرته. ولم تكن عيمة عنده مجرد مسقط رأس، بل كانت مختبرًا أخلاقيًا تعلم فيه أن قسوة الحياة لا تُواجه بالشعارات، وإنما بالإرادة التي تحول الهم إلى همة، والمعاناة إلى دافع للإنجاز.

وقد أفرد المؤلف جزءًا كبيرًا من كتابه للحديث عن قريته ومدينته، حتى بلغ حبه لهما مرتبة العشق الصوفي، فامتزج المكان بالوجدان، وأصبح الوصف نابضًا بالحياة والحنين.

وعندما تولى مسؤولياته الوزارية، قدم نموذجًا متقدمًا في القيادة والإدارة، فجعل الخدمة العامة حقًا للمواطن، والتخطيط مسؤولية وطنية، ونقل الأداء الحكومي من الإدارة الموسمية إلى العمل المؤسسي، ومن خطاب الطمأنة إلى ممارسة العدالة، حيث جعل الإنصاف سابقًا على الاعتبارات الأخرى، وأثبت أن القيم الكبرى حين تُمارس بصدق توحد ولا تفرق، وتقنع بالفعل قبل القول.

وقد أبدع المؤلف في وصف بلدته عيمة؛ فجاء وصفه لجبالها، وسهولها، وهضابها، ووديانها، وصفًا حيًا نابضًا، امتزج فيه جمال الطبيعة بصدق الإنسان. كما وصف أسرته الصغيرة بكل تفاصيلها، وتناول المكونات العشائرية، والحراك الاجتماعي، والعادات والتقاليد، والقيم السائدة، وأسلوب الحياة في الطفيلة وقراها في تلك المرحلة.

وهنا تتجلى قوة شخصية الدكتور صبري؛ إذ لم يخجل من ظروفه المعيشية الصعبة، بل عرضها بكل صدق وشفافية، ومن ذلك حديثه عن استعارة «زنوبة» أخته ليذهب بها في أول يوم من أيام المدرسة، كما وصف البيئة المدرسية، والأنشطة الطلابية، وذكر أسماء كثير من زملائه، وهي ميزة توثيقية نادرة تدل على قوة الذاكرة ودقة الملاحظة.

ثم ينتقل بالقارئ إلى رحلته الأولى نحو عمّان، فيقارن بين بيئة القرية والمدينة، ويروي مغامراته الأولى فيها، موظفًا المنهج الأنثروبولوجي في تصوير تفاصيل الحياة اليومية، حين تحدث عن الجريش، والرحى، والرشوف، والعيش، وغيرها من مفردات البيئة الريفية، حتى بدت وكأنها تنطق أمام القارئ.

كما توسع في الحديث عن الحارات وحدودها، وسكانها، والأراضي البعلية والمروية، وعادات الزواج، وأعيان القرية، وزيارات المسؤولين، وفي مقدمتهم الشهيد وصفي التل، وسنوات القحط، ومواسم القيظ، وطقوس شهر رمضان، والاحتفالات، والزيارات العائلية، والعمل التطوعي، والرحلات، والأوضاع الصحية، والمشاجرات وأسبابها، والآثار، والرعاة، وتعليم الإناث، وخطبة العروس، والغزل، والنسيج، وغيرها من التفاصيل التي شكلت لوحة اجتماعية متكاملة.

وعند حديثه عن المرحلة الثانوية، وصف انتقاله اليومي من عيمة إلى الطفيلة سيرًا على الأقدام، وحول تلك المعاناة إلى متعة، لأن الهدف كان أسمى من المشقة. كما أبدع في وصف مدينة الطفيلة، بما يعكس دقة ملاحظته وحسه التوثيقي الرفيع.

ثم ينتقل إلى المرحلة الجامعية، فيرصد تفاصيل التسجيل، والتخصص، والأساتذة، والبيئة الجامعية، ويذكر أسماء عدد كبير من الزملاء والزميلات، وكان اسمي من بينهم، وقد وثق سنواته الجامعية فصلًا فصلًا بدقة وأمانة.

بعد ذلك يستعرض مسيرته العملية، بدءًا من عمله معلمًا في بصيرا، ثم التحاقه بجهاز الأمن العام، ودراسة الماجستير، ثم سفره إلى فرنسا، وبعدها حصوله على الدكتوراه في علم النفس الجنائي من الولايات المتحدة الأمريكية، واصفًا حياته في لوس أنجلوس، ثم عودته إلى جهاز الأمن العام وهو يحمل أعلى الدرجات العلمية.

ويتناول كذلك اهتماماته الزراعية في العالوك، وتجربته في انتخابات عام 1989، وعمله في مخيمات اللاجئين بالرويشد أثناء حرب الخليج الأولى، ثم انتقاله إلى مؤسسة نور الحسين، وعمله الأكاديمي والإعلامي، وتحليله لمرحلة ما بعد معاهدة السلام، وزياراته إلى فلسطين.

كما يتناول مرحلة وفاة الملك الحسين، وتولي جلالة الملك عبدالله الثاني سلطاته الدستورية، ثم عمله في المجلس الأعلى لشؤون الأسرة في دولة قطر، وعودته إلى الأردن بعد وفاة والدته رحمها الله، وتحليله لانتخابات مجلس النواب الرابع عشر عام 2003.

ويخصص مساحة واسعة لتجربته الوزارية في حكومتي معروف البخيت ونادر الذهبي، متحدثًا عن الإنجازات، والتحديات، والعمل التنفيذي، ثم ينتقل إلى حياته الأسرية، وزواجه، وقدوم ابنه عبداللطيف، واهتماماته البحثية، ورعايته لقضايا الأشخاص ذوي الإعاقة، وإشرافه على مناقشة الأوراق النقاشية الملكية، وكتاباته الصحفية، وعضويته في مجلس أمناء جامعة الطفيلة، ثم يتناول انتخابات مجلس النواب التاسع عشر، وجائحة كورونا، وعودته إلى الحياة الريفية في العالوك، والإصلاح السياسي، ويختتم كتابه بقراءة تحليلية لأحداث طوفان الأقصى.

وفي الختام، فإن هذا الكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية، بل وثيقة وطنية واجتماعية وثقافية تؤرخ لمرحلة مهمة من تاريخ الأردن، وتقدم للقارئ صورة صادقة عن حياة الريف الأردني، وما فيها من كفاح وقيم وأصالة. وهو كتاب يجمع بين صدق التجربة، وجمال السرد، ودقة التوثيق، ويستحق أن يُقرأ بعين المتأمل لا بعين المتصفح، لأنه يحفظ ذاكرة المكان، ويؤرخ للإنسان، ويجسد رحلة كفاح ملهمة تستحق أن تُروى.

أنصح الجميع بقراءة هذا الكتاب قراءة متأنية وفاحصة؛ لما يتضمنه من قيمة معرفية وإنسانية ووطنية، ولأنه يقدم تجربة حياة ثرية، تستحق الوقوف عندها والاستفادة منها.


مدار الساعة ـ