مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الاشتباك الذكي إعلامياً.. نحو نموذج نظري لإدارة التنافس السردي


العميد المتقاعد ممدوح سليمان العامري
مدير التوجيه المعنوي الأسبق.. مستشار ومتخصص في إدارة الاتصال الاستراتيجي

الاشتباك الذكي إعلامياً.. نحو نموذج نظري لإدارة التنافس السردي

العميد المتقاعد ممدوح سليمان العامري
العميد المتقاعد ممدوح سليمان العامري
مدير التوجيه المعنوي الأسبق.. مستشار ومتخصص في إدارة الاتصال الاستراتيجي
مدار الساعة ـ

يشهد حقل الاتصال الاستراتيجي تحولاً جوهرياً في طبيعة الصراع الاتصالي؛ إذ لم يعد التنافس يدور حول امتلاك وسائل النشر أو السيطرة على تدفق المعلومات، وإنما حول القدرة على تشكيل الإدراك العام، وصياغة المعنى، والمحافظة على الشرعية في بيئة تتسم بتعدد الفاعلين، وتسارع تدفق المعلومات، وتنافس السرديات.

وفي هذا السياق، أقترح مفهوم "الاشتباك الذكي إعلامياً" بوصفه نموذجاً نظرياً لتحليل وإدارة التفاعل الاتصالي في البيئات المتنازع عليها معلوماتياً، ويُعرَّف هذا المفهوم بأنه:
عملية استراتيجية واعية لإدارة التنافس السردي، تهدف إلى حماية الشرعية المؤسسية، وإعادة تشكيل الإدراك العام، من خلال توظيف سرديات متماسكة تستند إلى المصداقية، وتتمتع بالمرونة المعرفية، بما يمكّن المؤسسة من التأثير في تفسير الأحداث دون الانجرار إلى الاستقطاب أو الخطاب الانفعالي.
ويختلف هذا النموذج عن النماذج التقليدية في الاتصال الدفاعي أو إدارة الأزمات؛ إذ لا ينطلق من افتراض أن المشكلة تكمن في نقص المعلومات، وإنما في الصراع على تفسيرها وتأويلها، فالمعلومة في حد ذاتها لم تعد مصدراً للقوة، بل أصبحت قيمتها مرتبطة بالإطار السردي الذي يمنحها معناها ويحدد دلالاتها لدى الجمهور.
وانطلاقاً من ذلك، يقوم نموذج الاشتباك الذكي إعلامياً على أربعة أبعاد مترابطة:
أولاً: التنافس السردي.
ويتمثل في القدرة على إنتاج سردية استراتيجية قادرة على تفسير الواقع بصورة أكثر اتساقاً وإقناعاً من السرديات المنافسة، بحيث لا تقتصر وظيفة الاتصال على نقل المعلومات، بل تمتد إلى بناء المعنى وتوجيه التأويل.
ثانياً: إدارة الإدراك.
ويعنى بإعادة تشكيل فهم الجمهور للأحداث والقضايا من خلال إعادة التأطير، وإدارة السياق، وترتيب الأولويات، بما يؤثر في كيفية تفسير الوقائع أكثر من الوقائع نفسها.
ثالثاً: الشرعية الاتصالية.
ويقصد بها قدرة المؤسسة على الحفاظ على ثقة الجمهور ومصداقيتها أثناء الصراع السردي. فالشرعية ليست معطى ثابتاً، وإنما رصيد تراكمي يتعزز عبر الاتساق بين الخطاب والممارسة، والشفافية، والاستجابة المسؤولة، والالتزام بالقيم المؤسسية.
رابعاً: المرونة المعرفية.
وهي قدرة المؤسسة على التكيف مع التحولات السريعة في البيئة المعلوماتية دون فقدان تماسكها السردي أو هويتها الاتصالية، بما يسمح بتحديث الرسائل، وتعديل الأطر التفسيرية، واستيعاب المتغيرات، مع المحافظة على الثوابت الاستراتيجية.
وتقوم العلاقة بين هذه الأبعاد على افتراض أن نجاح المؤسسة في إدارة التنافس السردي يعتمد على التوازن بينها، وليس على تعظيم أحدها بمعزل عن الآخر. فالسردية المقنعة تفقد فاعليتها إذا افتقرت إلى الشرعية، والشرعية تتآكل إذا غابت المصداقية، وإدارة الإدراك تصبح دعاية إذا انفصلت عن الواقع، بينما تتحول المرونة إلى ارتباك إذا افتقدت الاتساق الاستراتيجي.
وبناءً على ذلك، فإن الاشتباك الذكي إعلامياً لا يعني الانخراط في مواجهة إعلامية مستمرة، ولا السعي إلى دحض كل ادعاء أو الرد على كل رواية مضادة، بل يعني إدارة الصراع السردي وفق رؤية استراتيجية تحدد متى تتدخل المؤسسة، وكيف تتدخل، وبأي خطاب، ولأي جمهور، وبأي أثر مستهدف. فالغاية ليست الانتصار في دورة الأخبار، وإنما المحافظة على الشرعية، وتعزيز الثقة، وترسيخ المكانة في الوعي الجمعي.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الاشتباك الذكي إعلامياً باعتباره انتقالاً من نموذج إدارة الرسائل إلى نموذج إدارة المعنى، ومن منطق رد الفعل إلى منطق تشكيل البيئة الإدراكية التي تُنتج داخلها التفسيرات والاتجاهات والمواقف وللحديث بقية.

مدار الساعة ـ