يتدفق المتداولون الأفراد في أميركا على ما يُعرف بالعقود الآجلة الدائمة، التي لم يُسمح بتداولها في الولايات المتحدة إلا في مايو أيار الماضي، رغم وصف جماعات حماية المستهلك لها بأنها «أخطر منتج في سوق العملات المشفرة».
وفي بعض أركان «تيك توك»، يتباهى مستثمرون صغار السن بسيارات رياضية وفيلات يقولون إنهم اشتروها من أرباحهم في هذه المشتقات ذات الرافعة المالية العالية، التي يجري تداولها على مدار الساعة طوال أيام السنة، وتتيح إجراء رهانات كبيرة مقابل إيداع نقدي صغير فقط، وذلك بحسب تقرير لفيننشيال تايمز.وقال شيخار سيغال، وهو طالب جامعي يبلغ 19 عاماً سحب أمواله من أسواق التنبؤ ليتداول العقود الدائمة في منصة «هايبرليكويد» التي تتخذ من سنغافورة مقراً لها العام الماضي لصحيفة فايننشيال تايمز: «الرافعة المالية العالية رائعة... ترى عوائد لا تصدق خلال فترة قصيرة».العقود الدائمة أكثر خطورةوأضاف أن العقود الدائمة «أكثر خطورة بنسبة 100% من التداول الفوري»، موضحاً: «يمكنك أن تستيقظ في صباح اليوم التالي وتجد أن مركزك صُفّي بالكامل».
الوصول قصير الأجل إلى المخاطروقال جيمس ديفيز، مؤسس شركة «ديريفيتيفز كليرينغ نتوورك» للمقاصة: «تصميم العقود الآجلة الدائمة لا يوفر أي هامش أمان عند وقوع أزمة. إنها مجرد كرة ساخنة. وكلما تحول جزء أكبر من السوق إلى العقود الدائمة، زادت المشكلة».وأضاف ديفيز: «الطلب على الوصول قصير الأجل إلى المخاطر من جانب المتداولين الأفراد هائل، فالناس يريدون المقامرة. لكن إذا سألت المتداولين الأفراد عن حجم الخسائر التي يمكن أن يتكبدوها في العقود الدائمة، فلن يستطيعوا إخبارك».ورغم هذه التحذيرات، شهدت العقود الدائمة انتشاراً هائلاً في الولايات المتحدة.وقالت «كالشي»، إحدى أولى الشركات التي طرحتها في السوق الأميركية، إن المشتقات جذبت حجم تداول بلغ مليار دولار خلال أقل من أسبوع على إطلاقها، ما جعلها أسرع منتجات الشركة نمواً على الإطلاق.ووصف طارق منصور، الرئيس التنفيذي لـ«كالشي»، العقود الدائمة بأنها «أنقى شكل من أشكال التداول».ظهور العقود الدائمة للمرة الأولىوقد طرح الأكاديمي في جامعة ييل روبرت شيلر مفهوم العقود الدائمة للمرة الأولى في أوائل تسعينيات القرن الماضي، لكن متداولي العملات المشفرة هم من جعلوها شائعة، بعدما روجت لها منصة «بيت ميكس» منذ عام 2016.وتختلف العقود الدائمة عن العقود الآجلة التقليدية في أنها لا تنتهي صلاحيتها ولا تنطوي على تسليم فعلي للأصل الأساسي. ويكتفي المتداولون باتخاذ مراكز، صعوداً أو هبوطاً، على أسعار أصول مثل «بتكوين».وتربط مدفوعات دورية بين أصحاب المراكز الشرائية والبيعية أسعار العقود الدائمة بالسعر الفوري للعملات المشفرة التي تتبعها. وتوفر المنصات الخارجية عقوداً دائمة برافعة مالية تصل إلى 40 ضعفاً على كل شيء، من أسعار الطاقة إلى قيمة الشركات الخاصة قبل طرحها العام الأولي.وبلغ حجم تداول العقود الدائمة للعملات المشفرة نحو 90 تريليون دولار العام الماضي، ارتفاعاً من نحو 30 تريليون دولار في 2023، وفقاً لـ«بنك أوف أميركا».الطلب القوي على العقود الدائمة للنفطويقول محللون إن الطلب القوي على العقود الدائمة للنفط في منصة «هايبرليكويد» منذ اندلاع الحرب مع إيران أسهم على الأرجح بدرجة كبيرة في قرار لجنة تداول العقود الآجلة للسلع إدخال تداول العقود الدائمة إلى الولايات المتحدة.وتضغط شركة أسسها نجل السيناتورة المؤيدة للعملات المشفرة كيرستن جيليبراند على الجهة التنظيمية للسماح بتداول عقود دائمة على الأسهم الأميركية.وأثار قرار الجهة التنظيمية في مايو تصنيف العقود الدائمة للعملات المشفرة كعقود آجلة بدلاً من مقايضات، انتقادات خاصة.والمقايضات هي مشتقات تتيح لطرفين تبادل تدفقات نقدية مرتبطة بأصول مختلفة.وتخضع العقود الآجلة لتنظيم أقل صرامة من المقايضات، كما تستفيد من معاملة ضريبية مواتية ومتطلبات هامش أقل صرامة.ورفعت شركة «سي إم إي غروب» المشغلة للبورصة الشهر الماضي دعوى قضائية ضد لجنة تداول العقود الآجلة للسلع، متهمة رئيسها مايكل سيليغ بأنه ألغى «بضربة واحدة من قلمه» قواعد أُدخلت في أعقاب الأزمة المالية عام 2008. ووصفت اللجنة الدعوى بأنها «عبثية».وقال بنجامين شيفرين، مدير سياسات الأوراق المالية في جماعة «بيتر ماركتس» المعنية بحماية المستهلك: «العقود الدائمة هي أخطر منتج في سوق العملات المشفرة بالنسبة إلى المتداولين الأفراد».وأضاف في مايو: «يبدو أن لجنة تداول العقود الآجلة للسلع تجاهلت تماماً المخاطر التي يفرضها المنتج الذي وافقت عليه».ويتمثل أحد أسباب شعبية العقود الدائمة في أنها جذبت تداولاً كافياً لتوفير مؤشرات سعرية مهمة خلال الفترات التي تكون فيها الأسواق التقليدية مغلقة.أحجام التداول مرتفعةوقال إيان دي بود، رئيس منصة «أوندو» التي تحول الأصول الحقيقية، بما في ذلك الأسهم وسندات الخزانة، إلى رموز رقمية: «أحجام التداول مرتفعة بما يكفي لتوفر هذه العقود خلال عطلات نهاية الأسبوع اكتشافاً حقيقياً للأسعار وإشارات لليلة الأحد» في الولايات المتحدة، عندما تبدأ أسواق الأسهم والسلع التداول في آسيا.لكن سلبيات التداول المستمر والتصميم الفريد للعقود الدائمة يعنيان أن انعكاس اتجاه السوق يمكن أن يتحول سريعاً إلى موجات بيع متصاعدة.وفي الأسواق التقليدية، يتلقى المستثمرون الذين يواجهون خسائر طلباً عاجلاً لتقديم أموال نقدية أو ضمانات إضافية خلال مهلة محددة لتجنب تصفية مراكزهم.أما متداولو العقود الدائمة فيواجهون مخاطر مختلفة. إذ تُصفّى الرهانات الخاسرة فوراً، وأحياناً دون تحذير يُذكر، عندما تنخفض إلى ما دون حد معين.كما يمكن أن تخضع الصفقات الرابحة لـ«خفض تلقائي للرافعة المالية» كحل أخير لمنع منصات العملات المشفرة من الإفلاس خلال الأزمات.ومن دون التأخيرات التي تفرضها طلبات تغطية الهامش، يمكن أن يؤدي الإغلاق المفاجئ للمراكز إلى ضخ مزيد من الأصول في سوق متراجعة، ما يزيد من انخفاض الأسعار ويتسبب في مزيد من عمليات التصفية.وتمت تصفية مراكز أكثر من 1.5 مليون متداول للعملات المشفرة خلال 24 ساعة من تهديد دونالد ترامب في 10 أكتوبر بفرض رسوم جمركية جديدة على الصين، ما أدى إلى انهيار سعر «بتكوين» بنحو 10%.وخسر سوق العملات المشفرة العالمي 1.2 تريليون دولار، أو 25% من قيمته، خلال الأسابيع الستة التالية.









