مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة شهادة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

خرائط جوجل.. وثقافة الاعتذار


أ.د. نورس شطناوي

خرائط جوجل.. وثقافة الاعتذار

مدار الساعة ـ

أعترف أنني أثق بخرائط جوجل أكثر مما أثق ببعض البشر.

ليس لأنها لا تخطئ...

بل لأنها لا تكابر.

إذا أخطأت الطريق، لا تغضب منك.

ولا تقول إن المشكلة في طريقة قيادتك.

ولا تقضي نصف ساعة تشرح لك لماذا كان اقتراحها صحيحاً من وجهة نظر أخرى.

كل ما تفعله أنها تصمت لثوانٍ...

ثم تقول بهدوء: جارٍ إعادة احتساب المسار.

يا لها من جملة عظيمة.

لا تبحث عن مبررات.

ولا تفتش عن شماعة.

ولا تحاول إقناعك بأن الاتجاه الخطأ كان في الحقيقة اتجاهاً صحيحاً، لكنك لم تفهمه.

تعترف بالواقع...

وتبحث عن طريق أفضل.

تخيلوا لو أن الناس يتصرفون بالطريقة نفسها.

كم من خلاف كان سينتهي بكلمة واحدة.

وكم من علاقة كانت ستنجو.

وكم من مؤسسة كانت ستكسب احترام الناس أكثر.

لكننا، للأسف، لا نجيد إعادة احتساب المسار.

نحن نجيد شيئاً آخر...

إعادة تفسير الخطأ.

إذا أخطأنا، قلنا إن الظروف لم تكن واضحة.

وإذا تعجلنا، قلنا إن المعلومات كانت ناقصة.

وإذا أسأنا، قلنا إن كلامنا أُخرج من سياقه.

وإذا فشل الأمر، وجدنا عشرات الأسباب...

إلا السبب الحقيقي.

وكأن الاعتذار هزيمة.

مع أن الحقيقة تقول العكس تماماً.

الاعتذار ليس إعلان خسارة...

بل إعلان نضج.

ليس ضعفاً...

بل شجاعة لا يملكها الجميع.

لأن الإنسان يحتاج إلى قدر كبير من القوة ليقول: كنت مخطئاً.

لاحظوا أن خرائط جوجل لا تقف عند الطريق الخطأ لتلقي محاضرة.

ولا تعود إلى الخلف لتثبت أنها كانت تقصد شيئاً آخر.

ولا تطلب منك أن تنسى ما حدث.

بل تبدأ مباشرة في البحث عن أقرب طريق يعيدك إلى وجهتك.

أما نحن...

فأحياناً نضيع ساعات، وربما سنوات، في الدفاع عن منعطف كان واضحاً منذ البداية أنه خاطئ.

المشكلة ليست في الخطأ.

كل البشر يخطئون.

وكل القرارات تحتمل الصواب والخطأ.

وحتى أكثر الناس حكمة قد يختار طريقاً يكتشف لاحقاً أنه لم يكن الأفضل.

المشكلة تبدأ عندما يصبح الحفاظ على الصورة أهم من الوصول إلى الحقيقة.

عندما يصبح تبرير القرار أسهل من مراجعته.

وعندما يتحول الاعتذار إلى كلمة ثقيلة، يخشى البعض أن ينطق بها، وكأنها ستسقط هيبته، بينما هي في الحقيقة ترفعها.

الغريب أننا نحب المسؤول الذي يعدل الطريق في خرائط جوجل...

لكننا أحياناً لا نحب الفكرة نفسها عندما تتعلق بالبشر.

كم مرة سمعنا تصريحات طويلة جداً...

تنتهي من حيث بدأت.

كلمات كثيرة تدور حول الفكرة نفسها، لكنها تتجنب الكلمة الوحيدة التي كان الناس ينتظرونها.

اعتذار بسيط.

أو اعتراف واضح.

أو جملة تقول: التقدير لم يكن موفقاً، وسنصححه.

لا أحد ينتظر الكمال.

فالناس تعرف أن من يعمل قد يخطئ.

لكنها تحترم من يعترف، أكثر مما تحترم من يبرر.

ولعل أجمل ما في خرائط جوجل أنها لا تقيس نجاحها بعدد الأخطاء التي لم ترتكبها...

بل بعدد المرات التي استطاعت أن تعيدك إلى الطريق الصحيح.

وهذا درس يستحق أن نتأمله.

في بيوتنا.

وفي أعمالنا.

وفي صداقاتنا.

وفي مؤسساتنا.

بل وحتى في أوطاننا.

لأن الطريق الخطأ ليس النهاية...

النهاية الحقيقية هي أن نستمر في السير فيه، فقط لأن كبرياءنا يرفض أن يلتفت إلى اللافتة التي تقول:

لقد أخطأت الاتجاه.

ربما لهذا السبب، لا يحتاج مجتمعنا إلى أشخاص لا يخطئون.

فهذا مستحيل.

إنما يحتاج إلى أشخاص يمتلكون شجاعة إعادة احتساب المسار.

ويؤمنون أن الاعتذار لا ينقص من قيمة الإنسان...

بل يزيدها.

فالكبار لا يُعرفون بعدد المرات التي كانوا فيها على صواب...

بل بعدد المرات التي امتلكوا فيها شجاعة أن يقولوا:

لقد أخطأنا... وسنبدأ من هنا.

مدار الساعة ـ