مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

تحالف البوتاس والفوسفات.. تحالف صناعي غير مسبوق


م. موسى عوني الساكت

تحالف البوتاس والفوسفات.. تحالف صناعي غير مسبوق

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

ليست مجرد تحالف بين شركتين وطنيتين، بل خطوة استراتيجية تجسد نقطة تحول في الفكر الصناعي الأردني، وتنقل المملكة من مرحلة تصدير الموارد الطبيعية إلى مرحلة تصنيعها وتعظيم قيمتها المضافة.

فعلى مدى عقود، شكّل البوتاس والفوسفات ركيزة للصادرات الوطنية، وأسهما في دعم الاقتصاد الأردني، إلا أن القيمة الحقيقية للثروات الطبيعية لا تتحقق عند استخراجها، وإنما عندما تتحول إلى صناعات متقدمة ومنتجات ذات قيمة عالية قادرة على المنافسة عالميا.

من هنا، تأتي أهمية الشراكة الجديدة بين الشركتين، التي ستقود إلى إنشاء مجمع صناعي متكامل في الشيدية والعقبة باستثمارات تقارب مليار دولار، وتأسيس الشركة الأردنية المتطورة لصناعات الأسمدة المتخصصة، لتكون منصة وطنية لإنتاج حامض الفوسفوريك، وحامض الفوسفوريك النقي، والأسمدة المتخصصة، وغيرها من الصناعات الكيماوية المتقدمة.

ما يلفت الانتباه في هذا المشروع أنه لا يقوم على فكرة إنتاج منتج واحد، وإنما يؤسس لمنظومة صناعية متكاملة، تستفيد من تكامل مدخلات الإنتاج لدى الشركتين، وتبني سلسلة قيمة صناعية تبدأ من الثروة المعدنية ولا تنتهي عندها، بل تمتد إلى صناعات تحويلية متقدمة تستهدف الأسواق العالمية، وهذا ما يجعله تحالفا صناعيا غير مسبوق، وليس مجرد شراكة مالية أو استثمار تقليدي.

والأهم من ذلك أن هذا المشروع ينسجم بصورة مباشرة مع مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي، التي تضع الصناعات ذات القيمة المضافة في مقدمة أولوياتها. فكل دينار يُستثمر في التصنيع التحويلي يخلق أثرا اقتصاديا أكبر بكثير من الاستثمار في تصدير المواد الخام، سواء من حيث فرص العمل النوعية، أو نقل التكنولوجيا، أو تنمية سلاسل التوريد المحلية، أو زيادة الصادرات الصناعية.

كما أن اختيار الشيدية والعقبة قرار اقتصادي ذكي؛ فالأولى قريبة من مصادر الخامات، والثانية تمتلك الميناء والبنية اللوجستية التي تجعل الأردن مركزا إقليميا لصناعة وتصدير الأسمدة والمنتجات الكيماوية المتخصصة.

وأعتقد أن هذا المشروع يجب ألا يكون نهاية الطريق، بل بدايته. فإذا نجح هذا النموذج، فمن الممكن أن يتوسع نحو صناعات جديدة تعتمد على المعادن والكيماويات المتقدمة، بما فيها الصناعات المرتبطة بمواد البطاريات والطاقة النظيفة، وهو ما أشار إليه مسؤولو الشركتين باعتباره أحد المسارات المستقبلية للتحالف.

إن ما نشهده اليوم ليس توقيع اتفاقية بين شركتين، بل ولادة نموذج أردني جديد في التنمية الصناعية، يقوم على التكامل بدلا من التنافس، وعلى التصنيع بدلا من تصدير المواد الخام، وعلى الاستثمار في المستقبل بدلا من الاكتفاء بعوائد الحاضر. وإذا ما أُحسن تنفيذ هذا المشروع، فسيكون أحد أهم التحولات الصناعية التي شهدها الأردن خلال العقود الأخيرة.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ