مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الزراعة في الأردن: هل نزرع ما لا يجب أن نزرعه؟


د.م. عالية رضوان الغصون
باحثة مختصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التنمية المستدامة

الزراعة في الأردن: هل نزرع ما لا يجب أن نزرعه؟

د.م. عالية رضوان الغصون
د.م. عالية رضوان الغصون
باحثة مختصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التنمية المستدامة
مدار الساعة ـ

تواجه الزراعة في الأردن اليوم سؤالًا مهمًا يتجاوز مجرد زيادة الإنتاج أو توسيع المساحات المزروعة:

ألا و هو هل نزرع المحاصيل التي تتناسب فعلًا مع طبيعة بلدنا وإمكاناته؟

ففي دولة تعد من أكثر دول العالم فقرًا بالمياه، أصبحت طريقة اختيار المحاصيل وإدارة الموارد الزراعية قضية ترتبط بالأمن الغذائي والاستدامة ومستقبل الأجيال القادمة. يمتلك الأردن قطاعًا زراعيًا مهمًا رغم محدودية موارده الطبيعية، إلا أن التحديات المتزايدة، مثل شح المياه، وتغير المناخ، وارتفاع درجات الحرارة، وتراجع معدلات الأمطار، و استنزاف التربة جعلت من الضروري إعادة النظر في الأساليب الزراعية التقليدية. فبعض المحاصيل تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه مقارنة بقدرة البيئة الأردنية على توفيرها، ما يطرح تساؤلًا منطقيًا: هل من الأفضل الإستمرار في زراعة كل ما يمكن زراعته، أم التركيز على زراعة ما يناسب ظروفنا الطبيعية؟

إن المشكلة ليست في محصول معين، بل في طريقة اتخاذ القرار الزراعي. ففي كثير من الأحيان يعتمد المزارع على الخبرة المتوارثة أو على تقدير ظروف السوق . بينما تحتاج الزراعة الحديثة إلى قرارات تعتمد على تحليل دقيق للبيانات المتعلقة بالتربة والمياه والمناخ وحاجة الأسواق. فاختيار المحصول المناسب للمكان المناسب يمكن أن يرفع الإنتاج وجودته ويقلل استهلاك الموارد في الوقت نفسه. كما يمكن للتقنيات الذكية أن تسهم في حل أكبر مشكلة تواجه الزراعة الأردنية وهي المياه. فمن خلال أجهزة الاستشعار وأنظمة الري الذكية يمكن معرفة حاجة النبات الفعلية للمياه، وضخ الكمية المطلوبة فقط، مما يقلل الهدر ويحافظ على هذا المورد الحيوي. كما تستطيع الأنظمة الحديثة مراقبة صحة النباتات واكتشاف الأمراض والآفات في مراحل مبكرة، الأمر الذي يساعد على تقليل الخسائر وتحسين جودة الإنتاج. ولا يقتصر دور التكنولوجيا على المزارع فقط، بل يمكن أن تساعد الجهات المسؤولة في وضع خطط زراعية أكثر ذكاءاً، من خلال إنشاء قواعد بيانات وطنية توضح حالة الأراضي الزراعية ومصادر المياه والمحاصيل الأكثر ملاءمة لكل منطقة. وبهذه الطريقة يمكن الانتقال من زراعة تعتمد على التجربة إلى زراعة تعتمد على المعرفة ، هنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي والزراعة الذكية كحلول قادرة على تغيير مستقبل القطاع الزراعي في الأردن. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في تحليل كميات ضخمة من المعلومات لتحديد أفضل المحاصيل التي يمكن زراعتها في كل منطقة، اعتمادًا على نوع التربة ودرجة الحرارة وكمية المياه المتوفرة. وبدلًا من الاعتماد على التقدير فقط، ويمكن ان يدرس حاجة السوق المحلية و العالمية لمحصول زراعي معين ، فضلا عن دراسة الأسعارالمرتبطة بالعرض و الطلب و مواسم ارتفاعها و مقدار هذا الارتفاع و الجدوى من زاعة هذا المحصول ليصبح القرار الزراعي مبنيًا على معلومات دقيقة وتوقعات علمية.

إن مستقبل الزراعة في الأردن لا يعتمد فقط على زيادة مساحة الأراضي المزروعة، بل على قدرتنا على استخدام الموارد بطريقة أكثر كفاءة. فالسؤال الحقيقي لم يعد: كم نزرع؟ بل ماذا نزرع، وأين نزرع، وكيف نزرع؟ وقد يكون الذكاء الاصطناعي والزراعة الذكية هما المفتاح لتحقيق توازن بين إنتاج الغذاء والحفاظ على المياه والبيئة و دعم اقتصادنا الوطني.

لكن تطبيق الزراعة الذكية في الأردن يحتاج إلى مواجهة بعض التحديات، مثل ارتفاع تكلفة التقنيات الحديثة، وحاجة المزارعين إلى التدريب، وضرورة توفير دعم يساعد على انتشار هذه الحلول. فالتكنولوجيا وحدها لا تكفي، بل يجب أن ترافقها سياسات واضحة وتعاون بين الحكومة والقطاع الخاص والجامعات و المراكز البحثية والمزارعين.

في النهاية، ربما لا تكمن مشكلة الزراعة الأردنية في قلة المحاصيل، بل في الحاجة إلى اختيار المحاصيل الأكثر ملاءمة لواقعنا. فالأردن بحاجة إلى زراعة أكثر ذكاءاً، تعتمد على العلم والتكنولوجيا، حتى تصبح كل قطرة ماء وكل قطعة أرض فرصة جديدة لتحقيق الأمن الغذائي و الوطني .

مدار الساعة ـ