مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حرية التعبير... بين الشعار والممارسة


الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق

حرية التعبير... بين الشعار والممارسة

الدكتور زياد أبو لبن
الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
مدار الساعة ـ

تبدو حرية التعبير، في كثير من الخطابات السياسية العربية، واحدة من أكثر المفاهيم حضورًا في الشعارات الرسمية، وأكثرها غيابًا في الواقع العملي. فالمتتبع لخطابات بعض الأنظمة الحاكمة يلحظ كثرة الحديث عن حقوق الإنسان، وصيانة الحريات العامة، واحترام الرأي الآخر، حتى يكاد المستمع يظن أن المجتمعات العربية قد بلغت مرحلة متقدمة من النضج الديمقراطي، وأن الإنسان فيها قادر على أن يقول ما يريد، ويناقش ما يشاء، وينتقد ما يراه خاطئًا دون خوف أو وجل.

غير أن الواقع كثيرًا ما يقدم صورة مغايرة تمامًا؛ فبينما تُرفع الشعارات عن الحرية في المنابر الرسمية، تبقى الأسئلة الكبرى معلقة أمام واقع السجون والملاحقات والمنع والمصادرة. فأين هي حرية التعبير حين يصبح صاحب الرأي المختلف متهمًا قبل أن يكون محاورًا؟ وأين هي حقوق الإنسان حين تتحول الكلمة إلى مصدر خوف، ويصبح النقد فعلًا محفوفًا بالمخاطر؟

إن حرية التعبير ليست منحة تمنحها السلطة حين تشاء وتسحبها حين تشاء، بل هي حق أصيل من حقوق الإنسان، وشرط أساسي لبناء مجتمع قادر على التطور والتصحيح. فالمجتمع الذي يخاف من النقد هو مجتمع يخشى مواجهة أخطائه، والمجتمع الذي يغلق أبواب الحوار يترك المجال للشائعات والانقسامات، لأن الحقيقة لا تنمو في بيئة الصمت، وإنما تزدهر في فضاء الاختلاف والنقاش.

ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن بعض الحكومات تتحدث عن الحريات بلهجة واثقة، بينما تقوم في الوقت نفسه بتضييق المجال أمام أصحاب الأصوات المعارضة أو المختلفة. فهناك دائمًا من يتربص بالكلمة، ويحول الاختلاف في الرأي إلى تهمة، ويعامل النقد وكأنه خروج على النظام لا ممارسة طبيعية من ممارسات الحياة السياسية. وهنا يصبح الخوف أداة لإدارة المجتمع، ويتحول الصمت إلى سلوك مكتسب، حتى ينشأ الإنسان وهو يعرف حدود ما يمكن أن يقوله قبل أن يعرف ما يريد قوله.

وفي مثل هذه البيئات، لا يحتاج القمع دائمًا إلى إعلان صريح؛ فقد تكفي الإشارة، أو التهديد، أو الإحساس الدائم بالمراقبة حتى يمارس الإنسان الرقابة على نفسه قبل أن تمارسها عليه السلطة. وهكذا يتشكل إنسان حذر، يزن كلماته، ويختار عباراته، ويحذف من أفكاره ما قد يسبب له المتاعب، حتى يصبح الصمت أحيانًا أكثر أمانًا من الكلام.

ومن هنا يمكن فهم حالة الانكماش التي تصيب الشخصية العربية في بعض المجتمعات؛ فليس المقصود قصر القامة الجسدية، وإنما القامة المعنوية التي تتراجع حين يُحاصر الإنسان في حقه الطبيعي بالتعبير. فالإنسان الذي لا يستطيع أن يقول "لا"، ولا يستطيع أن يسأل أو يعترض أو يناقش، يفقد شيئًا أساسيًا من قدرته على المشاركة في صناعة واقعه.

وقد استوقفني ذات مرة خبر نشرته الصحف العالمية عن طالب أمريكي في الصف السابع عام 2004، يدعى زاكري جيلس، أقام مسؤولون في مدرسته دعوى ضده بسبب ارتدائه قميصًا يحمل صورة ساخرة للرئيس الأمريكي جورج بوش، تضمنت إشارات ورسومًا تنتقد شخصيته وسياساته. وكان القميص يحمل عبارات حادة تتهم الرئيس ببعض الصفات السلبية، وقد اشترى الطالب القميص من مؤتمر مناهض للحرب.

وصلت القضية إلى محكمة الاستئناف الأمريكية، التي نظرت في حدود حرية التعبير داخل المدرسة، وانتهت إلى أن العبارات والصورة الموجودة على القميص، رغم كونها قاسية وساخرة ومعبرة عن موقف سياسي معارض، لا تشكل إساءة قانونية تبرر منع الطالب من ارتدائها. واعتبرت المحكمة أن الرقابة المفروضة على القميص تمثل انتهاكًا لحقه في حرية التعبير، وبالتالي سمحت له بارتدائه في المدرسة.

قد يبدو هذا الخبر بسيطًا في ظاهره، لكنه يكشف فرقًا كبيرًا في فهم مفهوم الحرية؛ فالقضية لم تكن دفاعًا عن الرئيس أو تأييدًا لما كُتب على القميص، وإنما كانت دفاعًا عن مبدأ أعمق: حق الإنسان في التعبير حتى عندما يكون رأيه مزعجًا أو مخالفًا أو صادمًا. فالديمقراطية الحقيقية لا تُقاس بقدرة الناس على مدح السلطة، وإنما بقدرتهم على نقدها دون خوف.

كنت كلما قرأت خبرًا مثل خبر "جيلس"، أو سمعت عن قضية مشابهة في بعض المجتمعات التي تحترم حرية التعبير، أجد نفسي أبتسم بسخرية وأقول: نعم، لقد وصلت حرية التعبير في بعض عالمنا العربي إلى مرحلة مؤلمة؛ ليس فقط غياب الحرية، بل أحيانًا غياب القدرة على المطالبة بها. فالأمر لا يتعلق فقط بمنع رأي أو مصادرة مقال، وإنما بمنظومة كاملة تجعل الإنسان يعتاد الخوف، ويحسب للكلمة حسابها قبل أن تخرج من فمه.

بل إن مفهوم "التعبير" نفسه يثير لديّ ذكرى قديمة من أيام الدراسة. فقد كان مدرس اللغة العربية يطلب منا كتابة "موضوع تعبير"، لكنني لم أسمعه يومًا يقول لنا: "اكتبوا تعبيرًا حرًا". كان التعبير عندنا مقيدًا بالموضوع المطلوب، وبعدد الأسطر المحدد، وبالقواعد التي ينبغي ألا نتجاوزها. حتى الخيال كان له إطار، والكلمات كانت تسير في طريق مرسوم سلفًا.

ولعل تلك التجربة المدرسية الصغيرة تكشف جانبًا من المشكلة الأكبر؛ فحرية التعبير لا تبدأ من السياسة فقط، بل تبدأ من التربية. فالطفل الذي يتعلم أن يسأل، وأن يناقش، وأن يعبر عن رأيه، يكبر وهو يشعر بأن صوته جزء من المجتمع. أما الطفل الذي يتعلم أن الصمت فضيلة دائمًا، وأن مخالفة الرأي السائد خطأ، فإنه يحمل معه هذا الخوف إلى مراحل حياته اللاحقة.

إن المجتمعات لا تتقدم بإلغاء الاختلاف، بل بإدارته. فالآراء المختلفة ليست تهديدًا للمجتمع، وإنما فرصة لاكتشاف مواطن الخلل وتصحيح المسار. والحاكم الذي يثق بمؤسسات بلده لا يخشى صوت المواطن، لأن النقد البناء لا يهدم الدولة، بل يحميها من الأخطاء المتراكمة.

إن حرية التعبير ليست ترفًا فكريًا، ولا مطلبًا خاصًا بالنخب والمثقفين، بل هي حق لكل إنسان؛ للعامل والطالب والكاتب والصحفي والمواطن العادي. فحين تُصان الكلمة، تُصان كرامة الإنسان، وحين تُحاصر الكلمة، يبدأ التضييق على الإنسان نفسه.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل تستطيع المجتمعات العربية أن تنتقل من مرحلة الحديث عن الحرية إلى مرحلة ممارستها؟ وهل يصبح الاختلاف قيمةً إيجابية بدل أن يكون مصدر خوف؟ إن الإجابة لا تكمن في كثرة الشعارات، وإنما في قدرة الإنسان على أن يقول رأيه، وأن يسمع رأي غيره، وأن يدرك الجميع أن المجتمع الذي يسمح بتعدد الأصوات هو المجتمع الأكثر قدرة على البقاء.

مدار الساعة ـ