مدار الساعة - د.أنور كوثراني (عميد كلية التربية في الجامعة اللبنانية الدولية) - لم يكن التعليم في أي حقبة من تاريخ الإنسان مجرد نشاط مدرسي أو وسيلة لتحصيل شهادة. كان منذ فجر الاجتماع البشري الأداة التي تُمكّن كل جيل من أن يرث خبرة الجيل الذي سبقه، وأن يضيف إليها ما يلزمه لمواجهة تحدّيات زمانه. ومن هذا المنظور، لم يكن التعليم يوماً منظومة جامدة، بل كان على الدوام مرآة لتحولات الحضارة واحتياجاتها المتجددة.
فكل تحول كبير عرفته البشرية أعاد رسم ملامح التعليم من جديد. حين تحوّلت الجماعات من الصيد إلى الاستقرار الزراعي، تبدّلت غاية التعلّم. وحين نشأت المدن والدول، تغيّرت وظيفة المدرسة. ومع الثورة الصناعية، أُعيد تصميم النظام التعليمي بأكمله لإعداد ملايين العمال والموظفين. ثم جاءت ثورة المعرفة في أواخر القرن العشرين، فوضعت التفكير النقدي وحل المشكلات في قلب العملية التربوية. واليوم، يقف العالم أمام منعطف مغاير في طبيعته عمّا سبقه، تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي، لا بوصفها أدوات رقمية عابرة، بل قوة تعيد تشكيل الاقتصاد وسوق العمل ومفهوم المعرفة ذاته. لكن السؤال الذي ينبغي أن يشغل التربويين ليس "كيف نُدخل الذكاء الاصطناعي إلى الصفوف؟"، بل سؤال أعمق: هل ما يزال الهدف من التعليم هو نفسه الذي رسمته المدرسة الحديثة قبل قرن من الزمن؟ إن التكنولوجيا قادرة على تبديل الوسائل، لكنها عاجزة وحدها عن تحديد الغايات؛ فالتحولات الكبرى في تاريخ التربية لم تبدأ يوماً باختراع أداة جديدة، بل بإعادة تعريف نمط الإنسان الذي أرادت كل حضارة أن تُخرّجه. وانطلاقاً من هذه المقدّمة، يمكن قراءة مسيرة التربية بوصفها خمس محطات كبرى، لكلّ منها سؤالها المحوريّ وصورتها الخاصة عن الإنسان المنشود: تربية من أجل البقاء، ثم من أجل المعرفة، ثم من أجل الصناعة، ثم من أجل التفكير، وأخيراً من أجل الذكاء الإنساني.
التربية من أجل البقاءقبل أن تُشيَّد أول مدرسة، وقبل أن تُخط أول كلمة، كان التعليم قائماً بوصفه ضرورة وجودية لا رفاهية فكرية. لم يكن الإنسان الأول يتعلم طلباً لوظيفة، بل ممارسةً للحياة ذاتها: كيف يصطاد، وكيف يحمي نفسه، وكيف يميّز النافع من الضارّ، وكيف يتعاون مع جماعته على البقاء. وكانت المعرفة تنتقل بالملاحظة والتقليد والرواية الشفوية، فصارت التربية أول مؤسسة اجتماعية عرفتها البشرية، سابقة على الدولة والاقتصاد المنظم. كانت الأسرة المدرسة الأولى، وكانت الطبيعة أول كتاب، وكانت التجربة اليومية أول امتحان. لم يكن السؤال التربوي آنذاك "ماذا ينبغي أن نعرف؟"، بل "كيف يمكن للإنسان أن يعيش؟". وكانت غاية التربية بقاءً بمعناه الشامل، لا البيولوجي فقط، بل بقاء اللغة والعادات والهوية الجمعية. ومع نشوء الحضارات القديمة، اكتسب هذا المفهوم بعداً فلسفياً. فقد رأى كونفوشيوس في التربية طريقاً لبناء الإنسان الفاضل والمجتمع المتناغم، وجعل سقراط من الحوار وسيلة لاكتشاف الحقيقة، بينما اعتبر أفلاطون التربية أداة لإعداد المواطن العادل، ورأى أرسطو أن غايتها تنمية الفضيلة والعقل معاً لا تكديس المعرفة. ورغم اختلاف هذه الحضارات، اتفقت جميعها على أن التعليم لم يكن غاية بذاته، بل وسيلة لإعداد الإنسان لتحديات عصره؛ وهي فكرة تأسيسية لا تزال، في جوهرها، حاضرة في كل نظرية تربوية معاصرة.التربية من أجل المعرفةمع استقرار المجتمعات وظهور الزراعة ونشوء المدن، لم يعد البقاء وحده هاجس الإنسان، بل بدأ يبحث عن فهم العالم من حوله. وكانت الإجابة الحاسمة عن سؤال حفظ المعرفة ونقلها هي اختراع الكتابة، التي حرّرت المعرفة من أسر الذاكرة الفردية وجعلتها قابلة للتوثيق والتراكم عبر الأجيال. وهكذا نشأت المدارس الأولى في بلاد الرافدين ومصر القديمة واليونان والصين. ومع اختراع الطباعة في القرن الخامس عشر، لم يعد الكتاب امتيازاً للنخبة، بل صار وسيلة لنشر المعرفة على نطاق واسع، فأسهم في النهضة الأوروبية والثورة العلمية، ورسّخ فكرة أن التعليم حق يمكن أن يصل إلى الجميع لا امتيازاً محصوراً بفئة بعينها. وقد شهدت هذه المرحلة إسهامات فلسفية حاسمة أعادت تشكيل النظر إلى التربية: دعا كومينيوس إلى تعليم شامل منظم لكل الأطفال، ودافع روسو عن تعليم يحترم طبيعة الطفل ومراحل نموه، ورأى بستالوتزي أن التربية الحقيقية تنمّي الرأس والقلب واليد معاً، فيما جعل فروبل من اللعب أساساً للطفولة المبكرة. وبذلك تحوّل السؤال التربوي إلى "ماذا ينبغي أن يعرف الإنسان؟"؛ وأصبحت غاية التعليم نشر المعرفة ومحو الأمية وبناء المواطن القادر على المشاركة في الحياة العامة. وقد حققت الإنسانية في هذا المسار إنجازات كبيرة، إذ ارتفعت معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة عالمياً بشكل ملحوظ خلال القرن العشرين، بحسب تقديرات اليونسكو؛ وبات مئات الملايين من الأطفال يلتحقون بتعليم أساسي لم يكن متاحاً لأجدادهم. لكن المنظمة نفسها تشير إلى أن ملايين الأطفال والشباب ما زالوا خارج المدرسة، وأن كثيراً ممن التحقوا بها يعانون فجوات حقيقية في التعلّم. وهنا تكمن مفارقة هذه المرحلة: توسّعت فرص الوصول إلى التعليم، لكن جودة ما يتعلمه الطلاب لم تُضمن دائماً؛ فامتلاك المعرفة لا يعني بالضرورة القدرة على توظيفها، ولا الشهادة تعني بالضرورة الحكمة.التربية من أجل الصناعةمع الثورة الصناعية في أواخر القرن الثامن عشر، لم تعد المجتمعات بحاجة إلى نخبة محدودة من المتعلمين، بل إلى ملايين العمال والموظفين المؤهلين للعمل في المصانع والمؤسسات الحديثة. وتبدّل السؤال التربوي إلى: كيف نُعِدّ الإنسان للعمل والإنتاج؟لتلبية هذا السؤال، لم يتغير المنهج فحسب، بل تغيّر شكل المدرسة نفسه: صفوف مقسّمة بحسب العمر، وجداول زمنية صارمة، ومناهج موحدة، واختبارات معيارية وشهادات رسمية، في انعكاس مباشر لاحتياجات مجتمع صناعي يقوم على الانضباط وتوحيد المعايير. وقد نجح هذا النموذج في عصره نجاحاً واسعاً، إذ أسهم في محو الأمية وتوفير القوى العاملة اللازمة للاقتصادات الصناعية الناشئة. لكن هذا النجاح حمل في طياته مفارقة عميقة. بينما كانت المصانع تُنتج السلع بمعايير موحدة، مالت بعض المدارس إلى معاملة المعرفة بالمنطق ذاته، فصار النجاح الدراسي يُقاس غالباً بالقدرة على استرجاع المعلومات لا بالقدرة على تحليلها أو الإبداع بها. وقد كان هذا النموذج مناسباً لعالم بطيء التغير، حيث قد يمارس الفرد المهنة نفسها طوال حياته، وتتضاعف المعرفة على مدى عقود لا أشهر. أما اليوم، فتشير تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن المهارات المطلوبة في سوق العمل تتغير بوتيرة متسارعة، فيما تؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الاقتصادات الحديثة باتت تعتمد على التفكير النقدي وحل المشكلات والابتكار أكثر من اعتمادها على المهام الروتينية، بينما تُظهر نتائج اختبارات "بيزا" الدولية أن امتلاك المعلومات وحده لا يكفي ما لم يقترن بفهم عميق وقدرة على توظيفها في سياقات جديدة. وهذا ما يفرض على كل نظام تعليمي أن يسأل نفسه بصراحة: هل ما زلنا نُعدّ أبناءنا لعالم لم يعد قائماً؟التربية من أجل التفكيرمع نهاية القرن العشرين، وانتشار الحواسيب والإنترنت، لم تعد المشكلة في ندرة المعلومات بل في فيضها؛ ولم يعد التحدّي أن يحفظ الطالب أكثر، بل أن يفكّر بشكل أفضل، ويميّز بين الحقيقة والمعلومة المضلّلة، ويبتكر حلولاً لمشكلات لم يسبق لها نظير. وهكذا انتقلت البشرية من عصر ندرة المعرفة إلى عصر وفرتها، وتحوّل السؤال التربويّ إلى: كيف نبني عقلاً يفكر؟ لم يكن هذا التحول وليد التكنولوجيا وحدها، بل جاء ثمرة تراكم فلسفي وسيكولوجي عميق في فهم عملية التعلّم. فقد رفض جون ديوي اختزال التعليم في نقل المعلومات، مؤكداً أن التعلّم الحقيقي ينشأ من الخبرة والتجربة. وأثبتت ماريا مونتيسوري أن الطفل قادر على بناء تعلّمه إذا هُيّئت له البيئة المناسبة. أما بياجيه وفيغوتسكي فقد بيّنا أن المعرفة لا تُنقل جاهزة، بل يبنيها المتعلّم من خلال تفاعله مع محيطه ومع الآخرين. ثم جاءت إسهامات برونر وبلوم وجاردنر وفريري وبابرت لتؤكد أن قيمة التعليم لا تُقاس بما يحفظه الطالب، بل بما يستطيع أن يفعله بما يعرفه، فيما أظهرت أبحاث جون هاتي أن جودة التعلّم تعتمد على نوعية التدريس والتغذية الراجعة أكثر من اعتمادها على مجرد تزويد الطالب بالمعلومات. وبينما كانت الأنظمة التعليمية تتكيف تدريجياً مع هذا التحول، ظهر حدث غير مسبوق؛ فالذكاء الاصطناعي، الذي لم يعد يكتفي بتنفيذ الأوامر أو تخزين المعلومات صار قادراً على إنتاج النصوص وتحليل البيانات وكتابة الأكواد وتوليد الأفكار في ثوانٍ معدودة. وهنا، لم يعد السؤال "كيف نعلّم الطلاب أن يفكروا؟"، بل أصبح أكثر عمقاً: ما الذي يبقى للإنسان حين تستطيع الآلة أن تعرف وتتعلم وتُنتج؟ وهذا سؤال فلسفي في جوهره، لا تقني، لأنه يفرض إعادة النظر في غاية التعليم ذاتها لا في وسائله فحسب.التربية من أجل الذكاء الإنسانيللمرة الأولى في التاريخ، لم تعد المعرفة امتيازاً حصرياً للإنسان؛ فالآلة قادرة على البحث والكتابة والترجمة والتحليل والبرمجة، بل على توليد أفكار جديدة خلال ثوانٍ. وبعد أن ظل الإنسان آلاف السنين يتعلّم ليعرف أكثر، أصبحت المشكلة اليوم في وفرة المعرفة لا في ندرتها، وأصبح التحدي طرح السؤال الصحيح لا العثور على الإجابة. ومن هنا يتبدّل السؤال التربوي للمرة الخامسة في تاريخ الحضارة: ما الذي يجعل الإنسان إنساناً في عصر تستطيع فيه الآلة أن تفكر؟ والإجابة عن هذا السؤال لا تكمن في منافسة الذكاء الاصطناعي، بل في تنمية ما يمنح الإنسان قيمته الفريدة. فالآلة تعالج البيانات لكنها لا تتحمل مسؤولية قراراتها، وتنتج النصوص لكنها لا تتحمل نتائجها الأخلاقية، وقد تساعد في حلّ المشكلات لكنها لا تحمل معنى العدالة أو الرحمة أو الكرامة الإنسانية. ولذلك ينبغي أن تركّز التربية في هذا العصر على ما يجب أن يبقى مسؤولية الإنسان وحده، لا على منافسة الآلة في ميدانها. ولم يعد الهدف الأساسي حفظ المعلومات أو اجتياز الامتحانات أو حتى الحصول على وظيفة، بل بات الهدف بناء إنسان قادر على التفكير النقدي، واتخاذ القرار الأخلاقي، والإبداع، والقيادة المسؤولة، والتعاطف، والتعاون مع الذكاء الاصطناعي من دون الارتهان له، والتعلّم المستمر مدى الحياة. ويتّسق هذا التوجّه مع ما تؤكّده التقارير الدولية، إذ يضع المنتدى الاقتصادي العالمي التفكير التحليلي والإبداع والمرونة والقيادة ضمن أكثر المهارات طلباً مستقبلاً؛ وتربط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نجاح التعليم بقدرة المتعلّم على توظيف معرفته في مواقف جديدة، فيما تدعو اليونسكو إلى تعليم يوازن بين التقدم التكنولوجي والقيم الإنسانية. والحقيقة الأعمق أن الذكاء الاصطناعي لم يخترع هذه القيم، بل كشف أهميتها. وتؤكد اليونسكو في إرشادات الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم والبحث (2023) أن إدماج الذكاء الاصطناعي في التعليم ينبغي أن يتم ضمن إطار يضمن حماية خصوصية المتعلمين، وتعزيز النزاهة الأكاديمية، وتأهيل المعلمين لاستخدام هذه التقنيات بصورة واعية ومسؤولة. كما شددت على أن التكنولوجيا، مهما بلغت قدراتها، لا يمكن أن تحلّ محلّ الدور التربوي للمعلم، بل ينبغي أن تكون أداة تدعم التعلّم، وتُسهم في تنمية التفكير النقدي والإبداع وترسيخ القيم الإنسانية التي تظل جوهر العملية التعليمية. فكلما ازدادت الآلات ذكاءً، ازدادت الحاجة إلى إنسان أكثر حكمة، وكلما تسارعت التكنولوجيا، ازدادت أهمية الضمير الفردي والجمعي. ومن هنا، يمكن القول إن البشرية لا تدخل عصر الذكاء الاصطناعي فحسب، بل تدخل معه عصر الذكاء الإنساني، حيث يُقاس نجاح التعليم بقدرته على تخريج إنسان يسأل لا "ماذا أعرف؟" فقط، بل "كيف أستخدم ما أعرف لخدمة الإنسان؟".إعادة تصميم منظومة التعليمإن إعادة تعريف غاية التعليم تستدعي بالضرورة إعادة تصميم رحلته بأكملها، بدءاً من سؤال جوهري واحد: ما الإنسان الذي نريد أن نبنيه في نهاية هذه الرحلة؟ فتطوير المناهج وحده، أو إدخال التقنيات الحديثة إلى الصفوف، لن يحقق التحول المنشود ما دامت فلسفة التعليم نفسها أسيرة نموذج قديم. رياض الأطفال: زرع الفضول أولاًفي السنوات الأولى من الحياة، لا ينبغي أن يكون الهدف تلقين الطفل أكبر قدر من المعلومات، بل تنمية فضوله الفطري وحبه للاستكشاف وثقته بنفسه وقدرته على التساؤل؛ فالطفل الذي يتعلم كيف يسأل سيتعلم لاحقاً كيف يبحث ويفكر ويبدع. وتتركّز أولويات هذه المرحلة على اللعب الهادف، واللغة والتواصل، والذكاء العاطفي، والتعاون، والخيال. المرحلة الابتدائية: بناء الأساسلا يكفي في هذه المرحلة إتقان القراءة والكتابة والحساب، بل يجب أن يتعلم الطفل القراءة بفهم، والكتابة للتعبير، واستخدام الأرقام في مواقف حياتية، والعمل مع الآخرين، واحترام الاختلاف. فالغاية ليست إنهاء المنهج المقرر، بل بناء متعلّم يحب التعلّم لذاته. المرحلة المتوسطة: تعلّم التفكيرهنا يبدأ التحول الجوهري، إذ ينبغي أن تنتقل المدرسة من تقديم الإجابات الجاهزة إلى تدريب الطلاب على طرح الأسئلة، ومن حفظ المعلومات إلى تحليلها ومناقشتها نقدياً. وتصبح أولويات هذه المرحلة: التفكير النقدي والعلمي، والتحقق من المعلومات، والثقافة الرقمية والإعلامية، ومبادئ الذكاء الاصطناعي وأخلاقيات استخدامه. المرحلة الثانوية: صناعة الشخصيةلم تعد المرحلة الثانوية مجرد محطة إعداد للجامعة، بل ينبغي أن تكون إعداداً للحياة ذاتها، عبر توسيع خبرات الطلبة من خلال المشاريع البحثية وريادة الأعمال والعمل التطوعي والقيادة والعمل الجماعي وحل المشكلات الواقعية. فلا ينبغي أن يتخرج الطالب حاملاً شهادة فقط، بل رؤية واضحة للحياة.الجامعة: من النقل إلى الإنتاجإذا كانت جامعة القرن الماضي مركزاً لنقل المعرفة، فإن جامعة المستقبل يجب أن تكون مركزاً لإنتاجها، عبر التحول إلى مختبر للأفكار وحاضنة للابتكار ومساحة للتعلّم مدى الحياة. وينبغي أن يتعلم جميع الطلبة، أياً كانت تخصصاتهم، أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والتفكير متعدد التخصصات والقيادة والمسؤولية المجتمعية.تجارب عالمية رائدة في الإصلاحبدأت عدة دول بالفعل في إعادة تصميم أنظمتها التعليمية استجابة لهذا التحول. ففي فنلندا، انتقلت المدارس من التركيز على المواد المنفصلة إلى التعلّم القائم على الظواهر الذي يربط المعرفة بالحياة الواقعية. وفي سنغافورة، تحول الاهتمام من الحفظ إلى تنمية التفكير والإبداع تحت شعار "علّم أقل، تعلّم أكثر". أما إستونيا فقد غدت نموذجاً في دمج التكنولوجيا مع الحفاظ على جودة التعليم، بينما استثمرت الإمارات العربية المتحدة في التعليم الرقمي وتعليم البرمجة والذكاء الاصطناعي إعداداً للكفاءات المستقبلية.وتكشف نتائج برنامج التقييم الدولي للطلاب (PISA 2022) أن الأنظمة التعليمية الأكثر نجاحاً ليست تلك التي تركّز على تكديس المعلومات، بل تلك التي تنمّي قدرة المتعلّمين على توظيف معارفهم في مواقف جديدة، وتحليل المشكلات، والتفكير النقدي، والتعاون مع الآخرين. وهذا يفسر سبب اتجاه الدول الرائدة في إصلاح التعليم إلى إعادة تصميم المناهج وطرائق التدريس وأدوات التقييم معاً، انطلاقاً من قناعة بأن جودة التعليم لا تقاس بكمية ما يحفظه الطالب، بل بقدرته على توظيف ما تعلمه بفاعلية في مواقف الحياة والعمل. ورغم اختلاف هذه التجارب في السياق والأدوات، فإن رسالتها المشتركة واحدة: الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بإدخال التكنولوجيا إلى المدرسة، بل بإعادة تعريف الإنسان الذي تسعى المدرسة لبنائه. إعادة تعريف أدوات التقييمظلت الامتحانات لأكثر من قرن المعيار الأساسي للحكم على نجاح الطالب والمدرسة والنظام التعليمي بأكمله؛ وكان ذلك منطقياً في عصر كانت فيه المعرفة نادرة والنجاح رهيناً بامتلاك أكبر قدر من المعلومات. أما اليوم، فيستطيع أي طالب الوصول إلى ملايين المراجع في ثوانٍ، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات أو صياغة مسودات أولية بسرعة غير مسبوقة. وهذا يفرض سؤالاً لا يمكن لأي نظام تعليمي تجاهله: إذا كانت الآلة قادرة على الإجابة عن معظم أسئلة الامتحان، فما الذي ينبغي أن نقيسه في الإنسان؟لم يعد السؤال كيف نمنع استخدام الذكاء الاصطناعي في الامتحانات، بل كيف نصمم تقييماً لا يمكن للآلة أن تنجزه بدلاً من الطالب. فالاختبارات القائمة على الحفظ والاسترجاع لم تعد كافية للحكم على جاهزية المتعلم للحياة والعمل، وينبغي أن يتجه التقييم الحديث لقياس قدرة المتعلم على تحليل المشكلات المعقدة، وربط المعرفة بسياقات جديدة، واتخاذ قرارات أخلاقية في مواقف واقعية، والاستخدام النقدي المسؤول للذكاء الاصطناعي.من هنا، فإن مستقبل التقييم لا يقوم على إلغاء الامتحانات، بل على تنويع أدواته، بحيث تُستكمل الاختبارات التقليدية بالمشاريع التطبيقية، وملفات الإنجاز، والتقييم القائم على الأداء، ودراسات الحالة، والتقييم الذاتي وتقييم الأقران. فالحياة نفسها لا تختبر الإنسان بأسئلة اختيار من متعدد، بل بمواقف تستدعي التفكير والمسؤولية والقدرة على اتخاذ القرار. وإذا كنا نؤمن بأن غاية التعليم هي الإبداع والتفكير النقدي، بينما تظل أدوات تقييمنا تكافئ الحفظ والتلقين، فإن المشكلة الحقيقية ليست في الطلاب، بل في أدواتنا نحن.أي إنسان نريد؟منذ أن تعلّم الإنسان الأول كيف ينجو، وحتى اللحظة التي بات فيها الذكاء الاصطناعي قادراً على إنتاج المعرفة في ثوانٍ، لم يتوقف التعليم يوماً عن التطور. تغيّرت أدواته، وتبدّلت مناهجه، وتنوعت مدارسه، لكن جوهره ظل ثابتاً: إعداد الإنسان لمواجهة تحديات عصره. ولذلك لم يكن تاريخ التربية سلسلة مناهج بقدر ما كان سلسلة أسئلة كبرى طرحتها كل حضارة على نفسها: كيف نبقى؟ ثم ماذا ينبغي أن نعرف؟ ثم كيف نعمل؟ ثم كيف نفكر؟ واليوم يفرض علينا عصر الذكاء الاصطناعي السؤال الأعمق: كيف نحافظ على إنسانيتنا بينما تزداد الآلات ذكاءً؟ إن الذكاء الاصطناعي ليس نهاية التعليم بل بداية مرحلة جديدة منه؛ ويتسق ذلك أيضاً مع رؤية اليونسكو في تقريرها «إعادة تصور مستقبلنا معاً: عقد اجتماعي جديد للتعليم» (Reimagining Our Futures Together)، الذي يؤكد أن الغاية من التعليم في العقود المقبلة لن تكون مجرد إعداد الأفراد لسوق العمل، بل إعداد مواطنين قادرين على التعاون، والمشاركة المسؤولة، وحماية الديمقراطية، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وبناء مستقبل أكثر استدامة. ويؤكد ذلك أن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، لا يغيّر الرسالة الأساسية للتعليم، بل يجعلها أكثر إلحاحاً، وهي بناء الإنسان القادر على توظيف المعرفة بحكمة ومسؤولية لخدمة مجتمعه والإنسانية. فكلما ازدادت قدرة الآلة على أداء المهام، ازدادت مسؤولية المدرسة والجامعة في تنمية ما لا تستطيع الآلة امتلاكه: الحكمة، والضمير، والتعاطف، والإبداع، والشجاعة الأخلاقية، والقدرة على اتخاذ القرار في عالم متزايد التعقيد. ولن يُحسم مستقبل التعليم بعدد الأجهزة الذكية في الصفوف ولا بسرعة الإنترنت، بل بالإجابة عن سؤال واحد: أي إنسان نريد أن نُخرّج؟فإذا ظل هدفنا تخريج حافظ للمعلومات، ستتفوق عليه الآلة. وإذا كان هدفنا تخريج منفّذ للأوامر، فستستبدله الخوارزميات. أما إذا كان هدفنا تخريج إنسان يفكر ويبدع ويحكم بعدل ويتحمل مسؤولية قراراته، فسيظل التعليم أعظم استثمار عرفته البشرية. فالأمم اليوم لا تتنافس على امتلاك التكنولوجيا وحدها، بل على امتلاك الإنسان القادر على توجيهها نحو الخير العام؛ ذلك أن التكنولوجيا قد تُغيّر شكل العالم، لكن الإنسان وحده من يحدد اتجاهه.











