مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

السلام لا يلغي القوة بل يعيد تعريفها: التحوّل الاستراتيجي في وظيفة الجيش العربي الأردني بعد السلام


العميد المتقاعد ممدوح سليمان العامري
مدير التوجيه المعنوي الأسبق.. مستشار ومتخصص في إدارة الاتصال الاستراتيجي

السلام لا يلغي القوة بل يعيد تعريفها: التحوّل الاستراتيجي في وظيفة الجيش العربي الأردني بعد السلام

العميد المتقاعد ممدوح سليمان العامري
العميد المتقاعد ممدوح سليمان العامري
مدير التوجيه المعنوي الأسبق.. مستشار ومتخصص في إدارة الاتصال الاستراتيجي
مدار الساعة (النهار اللبنانية) ـ
السلام لا يلغي القوة بل يعيد
لم يؤد توقيع معاهدة السلام عام 1994 إلى تقليص دور الجيش الأردني، كما افترض البعض آنذاك، بل أسهم في إعادة توجيه أولوياته بما ينسجم مع بيئة أمنية جديدة

لا تنتهي وظيفة الجيوش عندما تتوقف الحروب، بل تبدأ مرحلة أكثر تعقيداً، وفي زمن السلام لا تُقاس كفاءة المؤسسة العسكرية بعدد المعارك التي تخوضها، وإنما بقدرتها على حماية الدولة من التهديدات التي لا تعلن الحرب، لكنها قد تكون أكثر خطراً من الحرب نفسها. وهنا تكتسب التجربة الأردنية أهميتها؛ فهي تقدم نموذجاً لكيفية إعادة تعريف القوة العسكرية من دون المساس بعقيدتها الوطنية أو جاهزيتها القتالية.

على امتداد القرن العشرين، ارتبط مفهوم القوة العسكرية بالقدرة على الدفاع عن الحدود وخوض الحروب التقليدية بين الدول. إلا أن العقود الثلاثة الأخيرة أعادت رسم المشهد الأمني العالمي بصورة جذرية. فقد تراجعت احتمالات الحروب النظامية في كثير من المناطق، في مقابل تصاعد الإرهاب، والجريمة المنظمة العابرة للحدود، والهجمات السيبرانية، وحملات التضليل، وتهريب الأسلحة والمخدرات، فضلاً عن التداعيات الأمنية لانهيار الدول والنزاعات الإقليمية. وبذلك لم يعد الأمن الوطني مرادفاً لحماية الحدود فحسب، بل أصبح يشمل حماية مؤسسات الدولة، والحفاظ على تماسك المجتمع، وضمان استمرارية عمل الدولة في مواجهة الأزمات.

في هذا السياق، لم يؤد توقيع معاهدة السلام عام 1994 إلى تقليص دور الجيش الأردني، كما افترض البعض آنذاك، بل أسهم في إعادة توجيه أولوياته بما ينسجم مع بيئة أمنية جديدة. فقد حافظت القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي على رسالتها الأساسية في الدفاع عن الوطن وسيادته، لكنها وسّعت في الوقت ذاته نطاق أدوارها لتشمل حماية الحدود من التهديدات غير التقليدية، ودعم الأجهزة الأمنية، والمشاركة في إدارة الأزمات، والتعامل مع المخاطر العابرة للحدود، ضمن مفهوم أشمل للأمن الوطني.

ولم يكن هذا التحول خياراً تنظيمياً أو استجابة ظرفية، بل نتيجة إدراك مبكر بأن طبيعة التهديدات تغيرت، وأن أدوات مواجهتها يجب أن تتغير معها. فمنذ الحرب على العراق عام 2003، مروراً بصعود التنظيمات الإرهابية، ووصولاً إلى الأزمة السورية وما فرضته من تحديات أمنية وإنسانية معقدة، واجه الأردن بيئة استراتيجية شديدة التقلب. وقد أثبتت القوات المسلحة خلال هذه المحطات قدرتها على الجمع بين الجاهزية القتالية والمرونة العملياتية، بما حافظ على أمن المملكة واستقرارها في محيط إقليمي بالغ الاضطراب.

ويعود نجاح هذا التحول إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها وضوح العقيدة العسكرية، والاحتراف المهني، والاستثمار المستمر في التدريب والتحديث، إضافة إلى التكامل الوثيق مع مختلف مؤسسات الدولة. فالمؤسسة العسكرية لم تعد تعمل بمعزل عن بقية المؤسسات، بل أصبحت جزءاً من منظومة وطنية متكاملة لإدارة المخاطر وتعزيز قدرة الدولة على الصمود أمام التحديات المتغيرة. كما عزز التزام القوات المسلحة بدورها الدستوري وابتعادها عن التجاذبات السياسية ثقة المجتمع بها، ورسخ مكانتها باعتبارها إحدى أكثر مؤسسات الدولة استقراراً ومهنية. ولم يقتصر حضورها على الداخل، بل امتد إلى الخارج من خلال مشاركاتها الفاعلة في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وإسهاماتها في الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب، وهو ما عكس صورة الأردن بوصفه شريكاً مسؤولاً في دعم الأمن والاستقرار الإقليميين والدوليين.

غير أن التحول لم ينته بعد، فإن الذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيّرة، والحرب السيبرانية، وحروب المعلومات، والتنافس على الفضاء الرقمي، تعيد اليوم رسم طبيعة القوة العسكرية بصورة متسارعة. ولم تعد الجيوش مطالبة فقط بحماية الحدود، بل أيضاً بحماية البنية التحتية الحيوية، وتأمين الفضاء المعلوماتي، ودعم قدرة الدولة على الاستجابة للأزمات والكوارث، ضمن مفهوم متكامل للأمن الوطني. ومن المرجح أن تكون قدرة الجيوش على التكيف مع هذه البيئة المعقدة معياراً لا يقل أهمية عن امتلاكها أحدث منظومات التسليح.

إن التجربة الأردنية تؤكد أن السلام لا يلغي الحاجة إلى القوة، بل يعيد تعريف وظائفها. فقوة الجيوش في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس بعدد الحروب التي تخوضها، وإنما بقدرتها على ردع التهديدات قبل أن تتحول إلى صراعات، وحماية الدولة بمؤسساتها ومجتمعها، وتعزيز مرونتها في مواجهة الأزمات. وربما يكون هذا هو التحدي الأكبر أمام الجيوش العربية في السنوات المقبلة: كيف تحافظ على جاهزيتها القتالية، وفي الوقت نفسه تطور أدوارها لتواكب بيئة أمنية تتغير أسرع من أي وقت مضى.

يبقى أن القيمة الحقيقية للمؤسسات العسكرية لا تتجلى فقط في قدرتها على خوض الحروب، بل في قدرتها على منعها، وحماية الدولة حين تتغير طبيعة التهديدات وتتداخل أبعادها العسكرية والسياسية والاقتصادية والتكنولوجية والمعلوماتية. ومن هذا المنظور، فإن التجربة الأردنية لا تقدم درساً في إدارة مرحلة ما بعد السلام فحسب، بل تقدم رؤية استراتيجية لمستقبل الجيوش الوطنية في القرن الحادي والعشرين؛ حيث لم يعد السلام نقيضاً للقوة، بل أحد أهم ميادين اختبارها، ولم تعد القوة تُقاس بما تملكه الجيوش من سلاح، بل بما تمتلكه من قدرة على الردع، والتكيف، وصون الدولة في عالم لا تتوقف فيه التهديدات عن التغير.

مدار الساعة (النهار اللبنانية) ـ