أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة شهادة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حين يتحول حلف اليمين الى منهج إدارة: أزمة الحوكمة في صندوق استثمار الضمان الاجتماعي تحت إدارة ملحس


د. واصل المشاقبة

حين يتحول حلف اليمين الى منهج إدارة: أزمة الحوكمة في صندوق استثمار الضمان الاجتماعي تحت إدارة ملحس

مدار الساعة ـ
حين يتحول حلف اليمين الى منهج

حين يصل الدفاع عن استقلالية القرار الاستثماري الى حد القسم، يصبح السؤال أكبر من مجرد نفي التدخل الحكومي. السؤال الحقيقي هو: هل تحتاج استقلالية صندوق يدير مدخرات ملايين الأردنيين الى قسم وحلف يمين، أم الى منظومة حوكمة تجعل استقلالية القرار حقيقة مؤسسية لا تحتاج الى اثباتها بالكلام؟

لا أشكك في صدق القسم، ولا في النوايا الشخصية لأي من "المسؤولين". لكن ادارة مليارات الدنانير من مدخرات الأردنيين ليست مجالاً للثقة الشخصية او المجاملة السياسية. انها أمانة مالية تدار بالسياسات الواضحة، وتخصيص الأصول المدروس، وادارة المخاطر، والعائد المعدل بالمخاطر، والقدرة على تقديم أرقام ونتائج قابلة للقياس.

المشكلة، في تقديري، لا تتعلق فقط بما اذا كان هناك تدخل حكومي مباشر في القرارات الاستثمارية من عدمه، بل بطبيعة العلاقة المؤسسية بين الحكومة والصندوق. فالحكومة للأسف ليست طرفاً خارجياً عن منظومة ادارة الصندوق بل لها دور وتأثير في تشكيل قيادته العليا وفي الإطار العام الذي تُدار ضمنه اموال المشتركين. ومن ثم، فان القول ان الحكومة لا تتدخل في عمل الصندوق لا يكفي وحده لاثبات استقلالية القرار الاستثماري.

فالمعيار الحقيقي للاستقلالية هو وجود منظومة حوكمة تحمي القرار الاستثماري من أي اعتبارات حكومية او سياسية، وتضمن في الوقت نفسه اَن تقوم التعيينات القيادية على الكفاءة والخبرة الاستثمارية والاستقلالية المهنية.

وبالنظر الى طبيعة المحفظة الاستثمارية للصندوق، تبرز أسئلة جوهرية حول كفاءة تخصيص الأصول، ومستوى التنويع، وحجم الانكشاف على أدوات الدين الحكومي، ومدى استخدام أدوات السوق ورأس المال والاستثمارات البديلة، اضافة الى طبيعة الاستثمارات طويلة الأجل ومدى توافقها مع متطلبات العائد والمخاطر والسيولة.

وهذه ليست أسئلة ثانوية. فالصندوق يدير مدخرات تقاعدية طويلة الأجل، وبالتالي لا يكفي تقييم أدائه من خلال نمو الموجودات او العوائد المحاسبية. المعيار المهني هو العائد الحقيقي، والعائد المعدل بالمخاطر، وجودة توزيع الأصول، ومستوى السيولة، والأداء مقارنة بالمؤشرات المرجعية والبدائل الاستثمارية المتاحة.

وتبرز هنا مسألة الانكشاف على أدوات الدين الحكومي. السندات الحكومية أداة استثمارية مشروعة وأساسية في المحافظ المؤسسية، خصوصاً لصندوق تقاعدي طويل الأجل. لكن السؤال ليس مشروعيتها، بل حجمها المناسب داخل المحفظة. هل يعكس هذا الحجم قراراً استثمارياً مستقلاً مبنياً على تحليل العائد والمخاطر والسيولة؟ أم ان الصندوق يتحول تدريجياً الى مصدر تمويل مستقر للمالية العامة؟

وكلما ارتفع الانكشاف على الدين الحكومي، ازدادت أهمية وجود استراتيجية واضحة لتخصيص الأصول وتنويع المخاطر، وتقديم تفسير مهني يوضح لماذا يمثل هذا التوزيع الخيار الأفضل لمصلحة المشتركين، مقارنة بالبدائل الاستثمارية المتاحة.

واذا كانت الادارة تؤكد استقلالية القرار الاستثماري، فإن أفضل طريقة لاثبات ذلك ليست القسم ولا التصريحات، وانما الافصاح عن البيانات التي تسمح بتقييم الأداء موضوعيا: ما العائد المحقق مقارنة بالمؤشرات المرجعية؟ ما العائد المعدل بالمخاطر كيف تطورت تركيبة المحفظة ما نسبة الاستثمارات السائلة وغير السائلة؟ ما المعايير المستخدمة في تقييم المشاريع والاستثمارات طويلة الأجل؟ وكيف تتعامل الادارة مع الاستثمارات التي لا تحقق العائد المستهدف؟

هذه أسئلة مهنية تتعلق بادارة اموال المشتركين، وليست أسئلة اعلامية. والاجابه عنها جزء من المسؤولية المؤسسية، وليست خياراً للعلاقات العامة.

ومن هنا، فإن تصريحات رئيس مجلس الادارة، السيد عمر ملحس، لا ينبغي ان تُفهم باعتبارها نهاية النقاش. فالقسم، مهما كانت مكانة صاحبه وصدق نيته، لا يعوض عن الادوات المؤسسية التي تثبت استقلالية القرار. والمسؤول الذي يدير مؤسسة بهذا الحجم مطالب بأن يدافع عن الأداء والاستقلالية بالبيانات والمعايير المهنية والنتائج، لا بالقسم والتأكيدات اللفظية.

واذا كانت الادارة الحالية ترى ان قراراتها مستقلة ومهنية، فان الطريق الطبيعي لاثبات ذلك هو اتاحة البيانات والمعايير التي تمكن الخبراء وأصحاب المصلحة من تقييم الأداء بصورة موضوعية. فالاستقلالية التي لا يمكن قياسها او تقييم نتائجها تظل ادعاء، مهما تكررت تأكيداتها.

ومن هنا، ارى ان الوقت قد حان لاجراء تقييم مستقل وجاد للادارة الحالية للصندوق. فاذا أظهر التقييم ان الاداء الاستثماري، وتخصيص الأصول، ومستوى التنويع، والعائد المعدل بالمخاطر، لا تتناسب مع حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الصندوق، فان استمرار الادارة الحالية لا ينبغي ان يكون امراً مفروغاً منه، كما يفترض الوزير السابق ملحس.

بل يجب ان يكون انهاء خدماتها واستبدالها بقيادات فنية متخصصة خياراً جدياً مطروحاً على طاولة القرار. فالاصلاح الحقيقي يبدأ من رأس الهرم الاداري، ومن ضمان ان تكون قيادة الصندوق قيادة استثمارية مهنية مستقلة، تمتلك الخبرة العميقة في ادارة المحافظ المؤسسية، وتخصيص الأصول، وادارة المخاطر والأسواق المالية، وقادرة على الدفاع عن كل قرار استثماري بالأرقام والنتائج.

المطلوب ليس تغيير الأشخاص لمجرد التغيير، وانما اعادة تعريف وظيفة القيادة. الصندوق يحتاج الى قيادة يكون معيارها الاول الكفاءة الاستثمارية، ويكون تقييمها قائماً على الأداء والعائد والمخاطر، وتملك القدرة المهنية على حماية مدخرات المشتركين وتنميتها ضمن استراتيجية استثمارية واضحة وطويلة الأجل.

ان تعزيز استقلالية صندوق استثمار اموال الضمان الاجتماعي يتطلب اعادة بناء منهج الادارة على أسس واضحة: قيادة فنية مستقلة. فصل مؤسسي واضح بين سلطة التعيين والقرار الاستثماري. استراتيجية معلنة لتخصيص الأصول. مؤشرات اداء قابلة للقياس والمقارنة. شفافية كاملة في العوائد والمخاطر. وافصاح كامل وتام وشامل عن جميع المشاريع والاستثمارات، وبخاصة تلك التي لم تحقق العوائد المستهدفة او تعرضت لخسائر، بما في ذلك الاستثمارات في الأراضي والعقارات والقطاع السياحي والزراعي، مع بيان حجم الاستثمار، والتكلفة، والقيمة الحالية، والعائد المحقق، والخسائر المتحققة او المتوقعة، وأسباب التعثر، والمسؤولية عن قرارات الاستثمار فيها. ومساءلة حقيقية عن القرارات والنتائج.

يا معالي السيد ملحس، اموال الضمان ليست اموالاً حكومية، وليست ملكاً لادارة الصندوق. انها مدخرات ملايين الأردنيين، وأمانة مالية تتطلب أعلى درجات الحوكمة والانضباط والاستقلالية المهنية.

وهنا تكمن جوهر المسألة: استقلالية القرار الاستثماري لا تُعلن، بل تُبنى. ولا تُحلف، بل تُثبت.

مدار الساعة ـ