ليس السؤال: هل مجلس النواب يُقر القوانين أم يرفضها؟ فهذا اختصاصه الدستوري. السؤال الحقيقي هو: هل يأخذ كل نائب فرصته الكاملة لإقناع زملائه والدفاع عن رأيه قبل التصويت؟
عندما نشاهد نائبًا يُقاطع، أو يُمنع من استكمال حديثه، أو يُختصر الوقت المخصص له إلى دقيقة أو دقيقتين، فمن الطبيعي أن يتساءل المواطن: إذا كان ممثل الشعب لا يستطيع أن يتحدث بحرية تحت القبة، فكيف سيكون حال صوت الشعب نفسه؟النائب لم ينتخبه الناس ليجلس صامتًا، ولم يمنحوه ثقتهم ليكون مجرد رقم يُستكمل به النصاب أو يد تُرفع عند التصويت. انتخبوه ليُناقش، ويُحاسب، ويُعارض عندما يرى ضرورة لذلك، ويؤيد عندما يقتنع، لا أن يُختزل دوره في ثوانٍ معدودة.وفي كثير من الأحيان، يبدو للمواطن وكأن هناك فجوة بين ما يُقال تحت القبة وما ينتهي إليه التصويت. فقد يستمع الناس إلى مداخلات تحمل ملاحظات أو اعتراضات حادة، ثم تأتي لحظة التصويت بنتيجة مغايرة لما أوحت به تلك الكلمات. وهذا المشهد يترك لدى الرأي العام تساؤلات مشروعة حول مدى انسجام المواقف المعلنة مع التصويت النهائي، ويجعل المواطن يبحث عن تفسير لهذا التباين.ولو كنت نائبًا، وتكرر قطع حديثي ومنعي من إيصال رأيي، فلن أقبل أن أكون شاهدًا صامتًا على قرارات لم أتمكن من مناقشتها كما ينبغي. عندها لن أرى أمامي إلا خيارين: إما أن أستقيل احترامًا للأمانة التي حمّلني إياها الناس، أو أن أحضر الجلسات بصمت، لا أتكلم ولا أعترض، وأتقاضى راتبًا مقابل حضور لا يحقق الغاية التي انتخبني الشعب من أجلها، وهذا ما لا أقبله على نفسي.قوة البرلمان لا تُقاس بسرعة إقرار القوانين، بل بقوة النقاش، واحترام الرأي والرأي الآخر، وإتاحة الفرصة لكل نائب ليؤدي واجبه الدستوري كاملًا. فالكلمة الحرة تحت القبة ليست امتيازًا للنائب، بل هي حق للشعب الذي أوصله إليها ولا ينبغي أن ننسى أن مجلس النواب هو المؤسسة الدستورية التي تُجسّد إرادة الشعب، والشعب هو مصدر السلطات وفق الدستور الأردني. ومن هنا فإن تمكين النائب من أداء دوره كاملًا في النقاش وإبداء الرأي ليس حقًا شخصيًا له، بل هو امتداد لحق المواطنين في أن يُسمع صوتهم تحت القبة، وأن تُناقش القوانين والقرارات بما يحقق المصلحة العامة ويعزز الثقة بالمؤسسات الدستوريةوفي النهاية، ما كتبته ليس حكمًا على أحد، ولا اتهامًا لأحد، وإنما هي تساؤلات يطرحها مواطن يتطلع إلى برلمان قوي، يكون فيه النقاش الحر سابقًا للتصويت، وتكون الكلمة منسجمة مع الموقف، والموقف منسجمًا مع ضمير من انتخبه الشعب.مجرد تساؤلات مواطن… ولعل الإجابة عنها هي ما يعزز ثقة الناس بمجلسهم ومؤسساتهم.