أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

مختبر 'الفيدرالي'.. كيف تترجم الفحوصات الاقتصادية إلى أسعار للذهب؟


د. عبدالله كساب الدعجة

مختبر 'الفيدرالي'.. كيف تترجم الفحوصات الاقتصادية إلى أسعار للذهب؟

مدار الساعة ـ
العوامل المؤثرة في أسعار الذهب من الحروب إلى قرارات الاحتياطي الفيدرالي

في مقال الجزء الأول من رحلتنا التحليلية، وضعنا أيدينا على حقيقة جوهرية؛ الحروب والأزمات قد تمثل الشرارة الأولى، لكن الاقتصاد هو الذي يرسم المسار النهائي للذهب؛ واليوم، ننتقل إلى السؤال الأكثر إلحاحاً في أروقة المال؛ كيف يدرك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أن لحظة التدخل قد حانت؟ وكيف ينعكس هذا التدخل على بريق المعدن الأصفر؟

لفهم هذا المشهد المعقد، دعونا نستحضر تشبيهاً يقرب الصورة؛ "الاقتصاد يشبه تماماً جسم الإنسان"؛ تخيل شخصاً داهمه التعب فقرر زيارة الطبيب؛ فهل سيبادر الطبيب بوصف الدواء فور رؤية المريض؟ الإجابة القاطعة هي "لا"؛ سيبدأ الطبيب أولاً بقياس درجة الحرارة، وضغط الدم، وطلب فحوصات دقيقة لكشف السبب الحقيقي للعلة قبل اختيار العلاج.

هذا هو بالضبط منطق الاحتياطي الفيدرالي؛ فهو لا يبدأ بالنظر إلى أسعار الذهب، ولا يراقب شاشات الأسهم أو تقلبات العقارات كأولوية، بل ينصب تركيزه الأول على تقييم "صحة الاقتصاد"؛ ولتحقيق ذلك، يعتمد على ترسانة من المؤشرات الاقتصادية التي تشبه في وظيفتها نتائج الفحوصات الطبية.

أول سؤال يطرحه "طبيب الاقتصاد" هو: هل التضخم تحت السيطرة؟

هنا، يمكننا تشبيه التضخم بدرجة حرارة الجسم؛ فإذا كانت طبيعية فالأمور مستقرة، أما إذا ارتفعت بشكل مفرط، فهذا إنذار بوجود خلل يحتاج لعلاج فوري، وعندما تتسارع الأسعار، يبدأ الفيدرالي بالبحث في الأسباب، مفكراً في الطريقة المثلى لإعادة التوازن، ولقياس هذا "النبض"، يستند إلى ثلاثة مؤشرات رئيسية لا تغيب عن أعين المستثمرين:

أولاً: مؤشر أسعار المستهلك (CPI): وهو الأكثر شهرة، حيث يقيس ببساطة مدى ارتفاع تكلفة معيشة الأفراد مقارنة بفترات سابقة، ولهذا السبب نلاحظ اهتزاز الأسواق بقوة فور صدوره.

ثانياً: مؤشر أسعار المنتجين (PPI): وهو "جرس الإنذار المبكر"؛ إذ يقيس تكلفة الإنتاج قبل وصولها للمستهلك؛ فإذا ارتفعت أسعار المواد الخام والطاقة والأجور، فإنها ستنتقل لاحقاً إلى السلع والخدمات النهائية.

ثالثاً: مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (Core PCE): وهنا تكمن الدقة؛ فهذا هو المؤشر المفضل لدى "الفيدرالي"، لأنه لا يكتفي برصد الأسعار، بل يراقب "سلوك المستهلك" وتغيراته بعد ارتفاع التكلفة، مما يجعله الأداة الأكثر دقة لتقييم الاتجاه الحقيقي للتضخم.

لماذا الإصرار على رقم 2%؟

قد يتساءل البعض؛ لماذا لا نستهدف تضخماً بنسبة صفر؟ الحقيقة أن الواقع الاقتصادي يتطلب توازناً دقيقاً؛ فالتضخم المرتفع ينهك القوة الشرائية، لكن التضخم المنخفض جداً قد يعكس ضعفاً في النشاط الاقتصادي؛ لذا، يرى الفيدرالي أن معدل 2% هو نقطة التوازن التي تضمن استقرار الأسعار مع استمرار النمو.

العلاقة الجدلية بين الذهب والفائدة

بناءً على فحوصات التضخم، يتخذ الفيدرالي قراره بشأن أسعار الفائدة؛ فإذا اشتعل التضخم، قد يلجأ لرفع الفائدة لإبطاء وتيرة الاقتصاد، وهنا يواجه الذهب تحدياً؛ إذ تصبح الودائع والسندات أكثر جاذبية لكونها تمنح عائداً دورياً، بينما الذهب -الذي لا يوزع فوائد- قد يشهد نزوحاً للأموال منه، مما يضغط على سعره.

أضف إلى ذلك، أن الفائدة المرتفعة غالباً ما تقوي الدولار، وبما أن الذهب يُسعَّر عالمياً بالعملة الخضراء، فإن قوة الدولار تجعل شراءه أكثر كلفة على المستثمرين خارج أمريكا، مما يضعف الطلب عليه.

لكن، ثمة قاعدة ذهبية يغفل عنها الكثيرون؛ الأسواق لا تنتظر البيانات، بل تُسعّر التوقعات، ولهذا السبب، قد نرى الذهب يهبط رغم صدور بيانات إيجابية، أو يرتفع رغم بيانات سلبية؛ لأن الأسواق كانت قد استبقت الحدث وبنت توقعاتها مسبقاً.

في مقال الجزء الثالث والأخير، سأربط كل هذه الخيوط ببعضها، لنجيب عن السؤال اللغز؛ كيف يمكن للذهب أن يرتفع رغم أن أسعار الفائدة مرتفعة؟ ولماذا يستفيد المعدن الأصفر من الركود والأزمات أحياناً بأكثر مما يستفيد من التضخم وحده؟

مدار الساعة ـ