أخبار الأردن اقتصاديات دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

كيف يبني المسلمون في أمريكا مسارهم السياسي؟

مدار الساعة,أخبار خفيفة ومنوعة,مجلس النواب
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة-في فعاليةٍ عن مكافحة الاحتيال بمقرّ المكتب التنفيذي للرئاسة، ألقى نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس جملةً عابرة سرعان ما تحوّلت إلى عاصفة. إذ حذّر من أن تُبطل الإدارة القادمة ما أنجزته إدارة رئيسه الحالي دونالد ترامب، ثم أضاف: «لا سمح الله، سيكون لديكم الرئيس السيّد بعد ثلاث سنوات»، صحيح، لم يُسمِّ فانس ديانة بعينها، لكن الجميع فهم التعريض بتسميته للمرشح عبدالرحمن السيّد، الطبيب والسياسي التقدّمي الذي فاز قبل ساعاتٍ فقط بترشيح الحزب الديمقراطي لمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان.

وسواء قصد فانس ذلك أم لم يقصد، فإن جملته أعادت طرح سؤالٍ افتراضيّ يستحقّ أن يُدرَس بجدية؛ هل يمكن فعلاً أن تشهد الولايات المتحدة رئيساً مسلماً؟ وإن كان الجواب لا، فهل المانع دستوريّ، أم أن الديمقراطية الأمريكية تجاوزت مسألة الدين منذ زمن؟

المشهد الحالي

يكفي أن ننظر إلى الوجهين المسلمَين البارزين في المشهد الأمريكي اليوم لندرك أن المسألة أعقد مما تبدو. الأول زهران ممداني، الذي أدّى اليمين في أول يناير 2026 عمدةً لمدينة نيويورك، ليصبح أول مسلمٍ يتولّى المنصب في كبرى مدن البلاد.. صعود ممداني كان مذهلاً بكل المقاييس، من نائبٍ هامشيّ في برلمان الولاية إلى قمّة السلطة في أكبر مدينة أمريكية. لكنّه، مهما علا نجمه، يصطدم بجدارٍ لا يُخترق حين يتعلّق الأمر بالرئاسة؛ فقد وُلد في كمبالا بأوغندا، ونال الجنسية الأميركية عام 2018. والدستور يشترط في الرئيس أن يكون «مواطناً بالولادة»، وهو شرطٌ يغلق أبواب البيت الأبيض في وجه ممداني.

أما الثاني، عبدالرحمن السيّد، فوُلد في ولاية ميشيغان في الحادي والثلاثين من أكتوبر 1984 لأبوين مصريين هاجرا إلى ديترويت. وكونه مواطناً أمريكياً بالولادة يجعله مؤهّلاً دستورياً للرئاسة كأيّ مواطنٍ آخر. ومن هنا تحديداً اكتسبت إشارة فانس إليه دلالتها؛ فالسيّد، هو البوابة الحقيقية للسؤال الافتراضي.

وإذا وسّعنا العدسة إلى ما هو أبعد من هذين النجمين، تبيّن أن السقف الذي بلغه الطموح المسلم في أمريكا يتدرّج صعوداً من دون أن يلامس القمّة. فعلى مستوى الولايات، تحتلّ غزالة هاشمي أعلى موقعٍ تنفيذيّ وصل إليه مسلمٌ حتى اليوم، نائبةً لحاكم ولاية فرجينيا منذ 2026، وهي أول امرأة مسلمة تفوز بمنصبٍ على مستوى ولايةٍ كاملة في البلاد بأسرها.

أما في المؤسسات الفيدرالية المنتخبة، فلم يتجاوز الحضور المسلم مجلس النواب حتى الآن؛ إذ لم يفز مسلم بعضوية مجلس الشيوخ أو بمنصب تنفيذي اتحادي منتخب. فقد دخل كيث إليسون مجلس النواب كأول مسلمٍ في الكونغرس عام 2007، تلاه أندريه كارسون وإلهان عمر ورشيدة طليب. ويبقى مقعد مجلس الشيوخ حاجزاً لم يُكسر بعد؛ كاد محمد أوز يتخطّاه في بنسلفانيا عام 2022 قبل أن يخسر، وهو تحديداً ما يسعى إليه السيّد في ميشيغان اليوم. وفوق هذا السلّم كلّه تظلّ الرئاسة القمّة التي لم تُبلغ.

يرتبط هذا الصعود السياسي المتنامي بـملاحظة أيديولوجية لافتة؛ مفادها أن الغالبية العظمى من الوجوه المسلمة التي حققت اختراقات انتخابية تاريخية (مثل ممداني، والسيد) حجزت مواقعها عبر التيار التقدّمي بالحزب الديمقراطي، مطعّمةً خطابها الاجتماعي بالاقتصاد العدلي ومناهضة التمييز. وفي المقابل، تظل تجربة مثل تجربة محمد أوز في بنسلفانيا محاولة فردية للتموضع داخل اليمين المحافظ. هذا الانحياز الهيكلي للتيار التقدمي يوضح أن طريق مسلمي أمريكا إلى السلطة لا يمر عبر تقديم الهوية الدينية كبطاقة تعريف، بل عبر التحالف مع كتلة إيدولوجية أوسع تتبنى قضايا العدالة الاجتماعية وحقوق الأقليات.

باب مفتوح

حين نعود إلى النصّ المؤسِّس للدستور الأميركي، نكتشف أن الحاجز الديني معدومٌ تماماً، وأن انعدامه كان خياراً واعياً من الآباء المؤسّسين. تنصّ المادة السادسة من الدستور، في فقرتها الثالثة، على أنه «لا يجوز أبداً اشتراط أي اختبار ديني كمؤهّلٍ لأي منصبٍ أو ثقةٍ عامة في الولايات المتحدة». والمثير أن هذه العبارة كانت الإشارة الوحيدة الصريحة إلى الدين في دستور 1788 كما صودق عليه، حتى وصفها بعض الدارسين بأنها من أشدّ عبارات الوثيقة قطعية ووضوحاً.

جاء هذا النصّ متقدّماً على عصره؛ فقد كانت غالبية الولايات آنذاك تفرض اختباراتٍ دينية تحصر المناصب في المسيحيين، بل في البروتستانت أحياناً. ثم عزّز التعديل الأول هذا التوجّه بحظر أي «تأسيسٍ» لدينٍ رسمي، وجاء حكم المحكمة العليا في قضية «توركاسو ضد واتكينز» عام 1961 ليمدّ الحظر إلى الولايات جميعاً بعد أن كان مقصوراً على المستوى الفيدرالي. والشروط الفعلية للرئاسة في المادة الثانية ثلاثةٌ لا رابع لها؛ المواطنة بالولادة، بلوغ الخامسة والثلاثين، الإقامة في البلاد أربعة عشر عاماً.

الحاجز الحقيقي

إذا كان الدستور قد أغلق باب المنع القانوني، فإن باباً آخر ما زال موارباً هو باب الناخب الأميركي، حيث كشف أحدث استطلاعات مؤسسة غالوب أن نسبة الأمريكيين المستعدّين للتصويت لمرشحٍ رئاسيّ مسلمٍ كفء ارتفعت من 58% عام 2012 إلى 66% في 2019 وصولاً إلى 71% في 2024. صعودٌ لا يُستهان به، لكنه يبقى من أدنى النسب بين كل الفئات التي يشملها الاستطلاع، ولا يسبقه في مستوى الرفض سوى الملحدين. والأخطر من الرقم الإجمالي هو انقسامه الحادّ على أسسٍ حزبية؛ فبينما يقبل نحو 86% من الديمقراطيين و73% من المستقلّين التصويت لمرشحٍ مسلم، تهبط النسبة لدى الجمهوريين إلى ما دون 40% في استطلاعات عام 2019. بهذا المعنى، يصبح تعليق فانس نفسه شاهداً حيّاً على طبيعة الحاجز؛ حاجزٌ سياسيّ ورمزيّ وانتخابيّ، لا يستند إلى أي قانون.

طبيعة هذا الرفض تتجاوز التحيز الديني التقليدي الذي واجهه الكاثوليك في ثلاثينيات القرن الماضي؛ فالحاجز أمام المرشح المسلم لا يرتبط فقط بالمعتقد الشخصي، بل يحمل حمولات جيوسياسية وثقافية معقدة. فالإسلام في مخيال السياسة الأمريكية ظِلّ لقرارات مرتبطة بملفات السياسة الخارجية، وقضايا الشرق الأوسط، والمخاوف الأمنية الممتدة منذ أحداث سبتمبر. هذا الربط التلقائي بين هوية المرشح الدينية ومواقف واشنطن الخارجية يجعل التحدي أمام المرشح المسلم مضاعفاً؛ فهو لا يحتاج فقط إلى إثبات كفاءته التنفيذية، بل إلى فك الاشتباك بين هويته العقدية وحسابات واشنطن الدولية.

لكن هذه الأرقام تتضمن في طياتها أنباء عن تغير ديمغرافي وسياسي قادم. فعند تفكيك بيانات الاستطلاعات بحسب الفئات العمرية، تظهر الفجوة الجيلية بوضوح؛ إذ ترتفع نسبة القبول لمرشح مسلم كفء بين جيل الشباب (Gen Z والجيل الألفي) لتتجاوز 80%، فارضةً واقعاً قيمياً جديداً. هذا التباين الجيلي يعزز أطروحة أن تماسك هذا الحاجز النفسي مرتهن لتركيبة ديمغرافية في طريقها للتراجع، وأن التحول في الرأي العام الأمريكي مسألة وقت.

دروس التاريخ

لم تكن هذه أول مرةٍ تختبر فيها أمريكا الحواجز المعنوية في مسيرتها كدولة "مثال للديمقراطية". فقد خاض الكاثوليك التجربة ذاتها قبل قرن. حين ترشّح آل سميث، حاكم نيويورك الكاثوليكي، للرئاسة عام 1928، ويُعتقد على نطاقٍ واسع أن انتماءه الديني كان عاملاً مهماً في هزيمته.

غير أن ذلك الحاجز تصدّع بعد ثلاثة عقود، حين وقف جون كينيدي عام 1960 ليلقي خطابه الشهير عن فصل الدين عن الدولة، مطمئناً الناخبين إلى أن ولاءه للوطن يسبق أي اعتبارٍ مذهبي، فوصل إلى البيت الأبيض. ويقدّم المسار بين آل سميث وكينيدي قراءةً واضحة للحاضر؛ منتهاها أن الحواجز الذهنية أمام تطبيق الديمقراطية بصورتها المثلى في أمريكا، كانت على الدوام اجتماعيةً في جوهرها، ما يعني أنها ستتآكل مع تعاقب الأجيال حتى تسقط.

اليهود مرّوا بالمسار ذاته؛ فبعد أن كان أقلّ من نصف الأمريكيين عام 1937 مستعدّين للتصويت لمرشحٍ يهودي، صارت النسبة اليوم تلامس الإجماع. والسؤال المطروح على المسلمين الأمريكيين هو ما إذا كانوا في مرحلةٍ مبكرة من المنحنى ذاته، أم أن خصوصية اللحظتين السياسية والتاريخية تجعل حاجزهم أطول باعاً وأصعب في تجاوزه.

عموماً، تحمل المسافة بين ما يسمح به الدستور وما يمنحه صندوق الانتخابات، قصة أمريكا مع أقلياتها كلها. وصعود ممداني والسيّد، وحتى قلق فانس من رئيس (مسلم) بعد ثلاث سنوات، مؤشّراتٌ على أن هذه المسافة تضيق، وإن ببطء. أما متى تُغلق تماماً، فذاك سؤالٌ متروكٌ لجيلٍ أمريكيّ قادم.


مدار الساعة ـ