مدار الساعة - هل الشكر على المصيبة مرتبة عليا مطلوبة، وتزيد على الرضا؟ وإذا كان مطلوبا فكيف نفهم قوله تعالى: ( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ )؟
لا بد من تقديم بعض الأصول النافعة في تبيُّن الجواب:(1) فالأصل الأول: أن الشُّكرَ لا يكون إلا على يدٍ ونعمةٍ:قال ابن سيده في "المخصص" (5/ 232): "الشُّكْر لَا يكون إِلَّا على نعمةٍ، والحمدُ قد يكون على نعمةٍ وعلى غير نعمة"، انتهى. وقال في "المحكم" (6/ 680): "قال ثعلبٌ: الشُّكرُ لا يكون إلا عن يدٍ، وقد قدَّمنا أنَّ الحمدَ يكون عن يدٍ وعن غير يدٍ، فهذا الفرق بينهما"، انتهى.وقال العسكريُّ في "الفروق" (1/ 49): "والشُّكر لا يصحُّ إلا على النِّعمة"، انتهى.وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة:"(الحمد) يتضمَّن المدحَ والثناءَ على المحمودِ بذكرِ محاسِنه، سواء كان الإحسانُ إلى الحامدِ أو لم يكن، و(الشُّكر) لا يكون إلا على إحسانِ المشكورِ إلى الشَّاكر، فمن هذا الوجه: الحمد أعمُّ من الشُّكر ...وأمَّا (الشُّكر) فإنه لا يكون إلا على الإنعام، فهو أخصُّ من الحمد من هذا الوجه"، انتهى، كما في "مجموع الفتاوي" (11/ 133) باختصارٍ.وبالجملة، فهذا هو المشهور الذي تتابع عليه العلماء في التَّفريق بين الحمد والشُّكر.ومعنى (النِّعمة) معروف.قال ابن فارس في "مقاييسه" (5/ 446):"(نعم) النُّونُ وَالْعَيْنُ وَالْمِيمُ فُرُوعُهُ كَثِيرَةٌ، وَعِنْدَنَا أَنَّهَا عَلَى كَثْرَتِهَا رَاجِعَةٌ إِلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ يَدُلُّ عَلَى تَرَفُّهٍ وَطِيبِ عَيْشٍ وَصَلَاحٍ.مِنْهُ النِّعْمَةُ: مَا يُنْعِمُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عَبْدِهِ بِهِ مِنْ مَالٍ وَعَيْشٍ. يُقَالُ: لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ نِعْمَةٌ. وَالنِّعْمَةُ: الْمِنَّةُ، وَكَذَا النَّعْمَاءُ"، انتهى.فالمراد من هذا الأصل: أن الشكر إنما يكون بسبب نوالِ الشاكر شيئًا من المصالح والمنافع والمنن، التي بها يطيب عَيْشه فيتنعم، وأما الصفات الذاتية الحسنة أو الأوصاف الجميلة في المحمود؛ فالذي يناسبها الحمدُ، وليس الشكر.(2) والأصل الثاني: أن الشكر طاعة، والطاعات سبب للإنعام، لا سبب للمصائب.وهذا من أظهر سنن الله تعالى في خلقه المناسبة لحكمته تعالى وعدله ورحمته، وهو من بينات دينه ومحكماته، وهو من أهم المعاني الراسخة في نفوس العباد، ثم هو – بعد ذلك - من أكثر ما اعتُني به في الوحي، فهو وعظ الأنبياء قاطبة، حتى يضيق المقام عن حصر المواضع الدالة على أنَّ: الطاعة سبب للإنعام والسعة والرزق في الدنيا والآخرة، وأن المعصية سبب للمصائب والضيق والكدر والكرب في الدنيا والآخرة.ولا خلاف أن (شكر النعمة)؛ طاعة لله مأمور بها، وأن (كفران النعمة)؛ معصية منهيٌّ عنها.ورغم ذلك، وفوق ذلك؛ فقد جاء النصُّ على أن شُكرَ النِّعمةِ مؤذِن بحفظ النعمة وزيادتها، وأنَّ كفر النعمة مؤذن بزوالها وبحصول المصائب والعذاب في الدنيا والآخرة.قال الله تعالى وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ.قال السعدي في "تفسيره" (ص 422):"وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ أي: أَعْلَمَ ووعد، لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ من نعمي، وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ؛ ومن ذلك أن يزيل عنهم النعمة التي أنعم بها عليهم"، انتهى.وقال الله تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ.فأهل القرية إنما أذاقهم الله تعالى مصائب الدنيا - لباس الجوع والخوف – بسبب كفرهم بنعم الله، أي: عدم شكرهم لها، وقد كانوا قبل كفران النعمة في سَعة رزق، يأتيهم رزقهم من كل مكان بلا مشقة، فدل ذلك على أنهم لو شكروا نعمة الله، لعافاهم الله تعالى من هذه المصائب الدنيوية.والعذاب في الدنيا بأنواع الضيق والمصائب: هو (العذاب الأدنى)، الذي توعد الله به الفاسقين، كما قال تعالى: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.ويقول الله تعالى: مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ؛ وهذا - إن شاء الله – يشمل العذاب الأدنى في الدنيا، والعذاب الأكبر في الآخرة، فالشكر لا تكون عاقبته عذابًا؛ لا في الدنيا ولا الآخرة.وشرح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن هذا المعنى: أصلٌ محكَمٌ، دلَّ عليه الواقع المشهود، ثم هو أيضًا من بيِّنات الوحي ومحكماته، فقال:"ومن المعلوم، بما أرانا الله من آياته في الآفاق، وفي أنفسنا، وبما شهد به في كتابه:أن المعاصي سبب المصائب؛ فسيئات المصائب والجزاء؛ من سيئات الأعمال. وأن الطاعة سبب النعمة، فإحسان العمل؛ سببٌ لإحسان الله.قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، وقال تعالى: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ، وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُم، وقال: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ، وقال: أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ، وقال: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ، وقال تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ.وقد أخبر سبحانه بما عاقب به أهلَ السَّيئات من الأمم - كقوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وأصحاب مدين، وقوم فرعون - في الدنيا. وأخبر بما يعاقبهم به في الآخرة.ولهذا قال مؤمن آل فرعون: يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33).وقال تعالى: كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وقال: سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ، وقال: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، وقال: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ إلى قوله: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ.ولهذا يذكر الله في عامَّة سور الإنذار ما عاقب به أهل السيئات في الدنيا، وما أعدَّه لهم في الآخرة، وقد يذكر في السورة وعد الآخرة فقط؛ إذ عذاب الآخرة أعظم، وثوابها أعظم، وهي دار القرار.وإنما يذكر ما يذكره من الثواب والعذاب في الدنيا تبعًا، كقوله في قصة يوسف: وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ وقال: فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ..."، إلى آخر ما قال رحمه الله، كما في "مجموع الفتاوي" (28/ 138).■ وكذلك نقول: إن الشكر لله تعالى، وتقوى الله تعالى؛ متلازمان.فشكر الله واجب على المتقين، وهو من الإيمان الواجب على القلب واللسان والجوارح، فلا يمكن تحصيل التقوى الواجبة إلا بشكر الله تعالى، وما من متَّقٍ لله إلا وهو من الشاكرين له.وأيضًا: من اتقى الله تعالى بعد الإنعام عليه؛ كانت تقواه تلك: من سبل شكره لله تعالى على النعمة، كما قال تعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.قال السعدي رحمه الله في "تفسيره" (ص 146): "من اتقى ربه فقد شكره، ومن ترك التقوى فلم يشكره"، انتهى.والمقصود هنا: أن بين (الشكر) و(التقوى) تلازمًا، فالشكر موصل للتقوى، لأن الشكر من أعمال التقوى الواجبة، وكذلك التقوى من الطرق الموصلة إلى شكر النعمة.وينبني على التلازم بينهما: أن يُعلَم أن الشكر عاقبته كعاقبة التقوى سواء، وليست مصائب الدنيا عاقبة التقوى ولا الشكر، بل سنة الله تعالى: أن من اتقاه؛ رزقه من حيث لا يحتسب، وجعل له مخرجًا من الملمِّات، وجعل له من أمره يسرًا، كما يقول الله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، وقال تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا.يقول السعدي رحمه الله: "يسوق الله الرزق للمتقي، من وجهٍ لا يحتسبه ولا يشعر به"، انتهى، ويقول أيضًا: "من اتقى الله تعالى، يسَّر له الأمور، وسهَّل عليه كلَّ عسير"، انتهى. ينظر: "تفسيره" (ص869، 870).والرزق شامل لكل ما يصلح دنيا العبد وييسرها له. كله من رزق الله ومن نعمة الله.(3) والأصل الثالث: أن في المصائب منفعةً لعموم الخلق، ومنفعةً أخرى خاصةً بالمؤمنين.فقد جعل الله تعالى في المصائب فائدتين، هما نعمتان:الأولى: أنها بنفسها مكفِّرة، تحطُّ الخطايا بذاتها، وبمجرد ما تسببه من الألم، ولو لم يقع من المصابِ أيُّ عملٍ، وهذا من نعمة الله العامة، ورحمته تعالى بعموم الخلق.حتى المصاب الكافر، ينتفع بالمصيبة، ولو أن تخفَّف عقوبُته في الآخرة بسببها.والثانية: ما يقع من المؤمن من العمل الصالح مع المصيبة، كالصبر عليها، والرضا بحكم الله وقضائه، والتوبة والإنابة وصدق اللجأ إلى الله، وإخلاص التوكل عليه، ودعائه، ونحو ذلك.يقول ابن تيمية رحمه الله:"المصائب نعمة، وذلك لأنها مكفِّراتٌ للذنوب، ولأنها تدعوه إلى الصبر، فيثابُ عليها، ولأنها تقتضي الإنابة إلى الله، والذُّلَّ له، والإعراض عن الخلق، إلى غير ذلك من المصالح العظيمة.ولكنَّ الخير بها نوعان:أحدهما: يحصل بها نفسِها.والثاني: يحصل بما يفعله المؤمنُ معها من العمل الصالح.* أما الأول: ففي الصَّحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما يصيبُ المؤمن من وَصَبٍ ولا نصَب، ولا همٍّ ولا حزَن، ولا غمٍّ ولا أذى، حتى الشوكة يُشاكُها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه).وفي المسند وغيره أنه لما نزلت هذه الآية مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ قال أبو بكرٍ: يا رسول الله، قد جاءت قاصمة الظَّهر، وأيُّنا لم يعمل سوءًا؟! قال: (يا أبا بكر، ألستَ تَنْصَب؟ ألستَ تحزن؟ ألستَ يصيبك اللأواء؟ فذلك مما تُجْزَون به) ...وفي المسند والترمذي وغيرهما أنه قيل: يا رسول الله، أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: (الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يُبْتَلى الرجلُ على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابةٌ زيد في بلائه، وإن كان في دينه رخاوةٌ خُفِّفَ عنه، ولا يزال البلاءُ بالمؤمن حتى يلقى الله وليس عليه خطيئة) ...وفي الحديث: (من يرد الله به خيرًا يُصِبْ منه)، وفي الحديث أن ابن مسعودٍ قال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: إنك لتُوعَكُ وعكًا شديدًا، قال: (أجل، أوعَك كما يوعَك رجلان منكم، لأن لي الأجرَ مرتين).فهذه النصوص وأمثالُها: تبيِّن أن نفس البلاء يكفِّر اللهُ به الخطايا، ومعلومٌ أن هذا من أعظم النِّعم، ولو كان الرجلُ من أفجَر الناس، فإنه لا بدَّ أن يخفِّف الله عذابه بمصائبه. ولو قُدِّر كافرا، فإذا كان الكافران سواءً في الكفر، وابتُلِي أحدُهما في الدنيا بمصائب؛ كان عقابُه في الآخرة دون عقوبة الذي لم يُعاقَب في الدنيا، مثل فرعون، فإنه من أشدِّ الناس عذابًا في الآخرة، إذ كان لم يُبْتَل في الدنيا.فالمصائبُ: رحمةٌ ونعمةٌ في حقِّ عموم الخلق، اللهم إلا أن يَدْخُل صاحبُها بسببها في معاصي أعظمَ مما كان قبل ذلك، فتكون شرًّا عليه من جهة ما أصابه في دينه.فإن من الناس من إذا ابتُلِي بفقرٍ، أو مرضٍ، أو جوع: حصل له من الجزع، والسَّخط، والنفاق، ومرض القلب، أو الكفر الظاهر، أو ترك بعض الواجبات، وفعل بعض المحرمات = ما يوجبُ له ضررًا في دينه بحسب ذلك. فهذا كانت العافية خيرًا له، من جهة ما أورثته المصيبة، لا من جهة نفس المصيبة، كما أن من أوجبت له المصيبةُ صبرًا وطاعةً، كانت في حقه نعمةً دينية.فهي بعينها: فعلُ الربِّ عزَّ وجلَّ، رحمةً للخلق، والله محمودٌ عليها، فإن اقترن بها طاعةٌ كان ذلك نعمةً ثانيةً على صاحبها، وإن اقترن بها معصيةٌ كان ذلك من نفس صاحبها، وكان ذلك تحقيقًا لما قدَّمناه أنَّ ما ثَمَّ شرٌّ إلا الذنوبُ وعقوباتها.* وأما الخير الذي يحصل للمؤمن بالمصيبة، فهذا مما تتنوَّع فيه أحوالُ الناس، كما تتنوَّع أحوالُهم في العافية.وقد قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا الآية، وقال: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ، وقال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ.فقد أنكر سبحانه على من حسب أنهم يدخلون الجنة بدون الابتلاء بالبأساء؛ وهي الفقر في الأموال، والضرَّاء؛ وهي المرض في الأبدان، وحين البأس والزلزال؛ وهو الخوف من الأعداء!قال تعالى: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ، فجعل الصبر في هذه المواطن الثلاثة من تمام البر والتقوى، الذي به يتمُّ الإيمان، كقوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ الآية، وكذلك قوله تعالى في الآية الأخرى: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، فالبشرى وقعت للصابرين.فمن ابتُلِي، فرُزِق الصبر، كان الصبرُ نعمةً عليه في دينه، وحصل له بعد ما كُفِّر من خطاياه: رحمةٌ، وحصل له بثنائه على ربه: صلاةُ ربه عليه، حيث قال: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ، فحصل له غفرانُ السيئات، ورفعُ الدرجات، وهذا من أعظم النعم"، انتهى باختصار من "جامع المسائل" (9/ 403).ويقول ابن رجب الحنبلي رحمه الله:"التحقيق: أنَّ جميعَ ما يفعلُه اللهُ سبحانه فهو نعمةٌ، أو: فيه مِن النِّعمة ما يَستحق به الحمدَ والشُّكرَ، فإنَّ المصائبَ والأمراضَ كفاراتٌ وطَهُورٌ، فهي نعمةٌ، وإهلاكُ المكذِّبين وعُقوبةُ الكافِرين نِعمةٌ على المؤمنين، يحصلُ لهم بها الاعتبارُ، ولهذا قال تعالى: فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، والآلاءُ: النِّعَمُ، قاله بعدَ ذِكر جهنمَ وغيرها"، انتهى من "تفسير الفاتحة" (ص 63).فيتبيَّن بهذا الأصل ثلاثة أمور:1- أنَّ جميع ما يفعله الله تعالى فيه خير، وهو إما نعمة خالصةً تستوجب الشكر، أو يكون فيه نعمةٌ باعتبارٍ وإن كان فيه مكروه أو ألم باعتبارٍ آخر؛ فحينئذ يجب لله تعالى الشكر على ما أنعم به، والصبر على ما ابتلى به.2- أن في المصائب رحمةً ونعمةً في حقِّ عموم الخلق، مسلمهم وكافرهم. لأنها (حطَّة) للخطايا، وتخفيف للعقوبة الأخروية. إلا أنَّ بعضَ الناس يَدْخُل بسبب المصيبة في معاصي أعظمَ مما كان عليه قبلها، فتكون المحصلة والمآل في حقه: أن المصيبة (شرٌّ عليه) من جهة ما أصابه في دينه، وبسبب سوء عمله، لا بسبب نفس المصيبة.3- أن الشكر لله تعالى (إنما يشرع) على النعم التي أودعها تعالى في المصائب، وضمَّنها إيَّاها، فإن أفعال الله خير كلها، ويجتمع في الأمر الواحد من فعل الله تعالى وقضائه: (ألمٌ) يوجِب الصبر، مع: (نعمة) توجب الشكر، بل هذا أعظم الشكرين!قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"لا منافاة بين كون الشيء مصيبةً باعتبارٍ، ونعمةً باعتبار؛ فباعتبار ما حصل به من الأذى؛ هو مصيبة، وباعتبار ما يحصل به من الرحمة؛ نعمة.وهذا لأنه إذا قيل: إن هذا يُكَفَّر به الخطايا، ويؤجرُ عليها، ويؤجرُ على الصبر عليها، كانت النعمةُ هذه الأمور التي تحصلُ عن هذه، فيكون هذا بمنزلة شُرب المريض الدواءَ الكَرِيه، فهو مصيبةٌ باعتبار مرارته، وهو نعمةٌ باعتبار إزالته للمرض الذي هو أشدُّ ضررًا فيه، وأدنى الضررين إذا زال أعظمُهما كان نعمةً، لا سيما إذا حصل مع ذلك خيرٌ آخر".حتى قال رحمه الله:"وإذا ابتُلِي بمصيبةٍ ظاهرةٍ فعليه الشكر، كما قد بسطنا الكلام فيه، وهو أعظمُ الشُّكريْن!والشكر في الضرَّاء واجب؛ وأما الشكر في السرَّاء والصبر في الضرَّاء فوجوبُه ظاهرٌ لعموم الناس.وإنما المقصود: أنه لا بدَّ من الشكر والصبر في كلِّ حال ...".فبين رحمه الله أنَّ نفس الأمر الواحد الذي يصاب به العبدُ؛ قد يتضمَّن نعمةً توجبُ شكرًا، مع تضمُّنه ألمًا يوجبُ صبرًا، وهذا في نفس الأمر الواحد، فيكون له اعتباران اثنان.قال:"فعليه أن يكون في ذلك الأمر الواحد: صابرًا شاكرًا، كالذي يشرب الدواء الكَرِيه، فعليه أن يصبر على مرارته، ويشكر الله إذ يسَّر له ما يزيلُ عنه مرضه"، انتهى.ينظر "جامع المسائل" (9/ 395) وما بعدها.وقول الشيخ رحمه الله: "والشكر في الضرَّاء واجب": فيه وقفة. وسيأتي في كلامه أنه "قد يكون مستحبا"، وهو أقرب.ثانيًا:قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"الصبر واجبٌ باتفاق العلماء، وأعلى من ذلك: الرضا بحكم الله. والرضا؛ قد قيل: إنه واجب، وقيل: هو مستحب، وهو الصحيح.وأعلى من ذلك: أن يشكر الله على المصيبة لما يرى من إنعام الله عليه بها، وجَعْلها سببًا لتكفير خطاياه، ورفع درجته، وإنابته إلى الله وتضرعه إليه، وإخلاصه له في التوكل عليه ورجائه دون المخلوقين"، انتهى من "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" (ص 136).فبيَّن رحمه الله أن الشكر لم يقع على (ألم) المصيبة، ولا على ما فيها من (أذى)، بل: الشكر متوجه إلى (النعمة)، فالشاكر ها هنا إنما يشكر الله بالنظر إلى جهة الإنعام والمصلحة التي ينالها، فهو يشكر على المصيبة – كما قال ابن تيمية - : "لما يرى من إنعام الله عليه بها ..." إلخ.فالشكر لله على حصول هذه النعم، أما الشكر بالنظر إلى ما في المصيبة من (الأذى والألم)؛ فلا يصحُّ، وهو منافٍ لحقيقة الشكر، فقد سبق النقل – عن شيخ الإسلام وغيره – أنَّ الشكر لا يصح إلا على (الإنعام)، بخلاف الحمد.وقد سبق أن (التنعم) طِيْب العيش وصلاحه والترفه ونحو ذلك من المعاني، التي هي على الضد من الألم والأذى والضيق التي في المصيبة.فالنعمة التي في المصيبة ليست هي (الألم) ولا (الأذى)، وإنما هي (تكفير الذنوب) بنفس المصيبة، أو هي: ما قارن المصيبة من العمل الصالح، كالتوبة والإنابة والتوكل والدعاء، ونحوها من العبادات التي ينصلح معها عيشُ الشاكر، بل يطيب، فيحصل بها أعظم المصالح في الآخرة، وأعظم اللذة في الدنيا.ولصعوبة التمييز بين هذين الجانبين في المصيبة، جانب الألم فيها، وجانب الإنعام الحاصل بسببها، يعز على أكثر الناس تصور مقام "الشكر" فيها، فضلا عن القيام بحقه، والنفوذ بالبصيرة إلى "اختيار الله لعبده"، والرضا به، وتركته منازعته في قضائه له.يقول شيخ الإسلام:"وما يصيب الإنسان: إن كان يَسُره فهو نعمة بينة، وإن كان يسوءه فهو نعمة؛ لأنه يكفر خطاياه ويثاب عليه بالصبر.ومن جهة أن فيه حكمة ورحمة لا يعلمها العبد، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم الآية.وكلتا النعمتين تحتاج، مع الشكر، إلى الصبر:أما الضراء: فظاهر. وأما نعمة السراء: فتحتاج إلى الصبر على الطاعة فيها، كما قال بعض السلف: ابتُلينا بالضراء فصبرنا، وابتُلينا بالسراء فلم نصبر، فلهذا كان أكثر من يدخل الجنة المساكين.لكن لما كان في السراء اللذة، وفي الضراء الألم، اشتهر ذكر الشكر في السراء، والصبر في الضراء، قال تعالى: ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه - إلى قوله - إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات الآية.وأيضا صاحب السراء أحوج إلى الشكر، وصاحب الضراء أحوج إلى الصبر، فإن صبر هذا وشكر هذا واجب.وأما صبر السراء: فقد يكون مستحبا.وصاحب الضراء: قد يكون الشكر في حقه مستحبا.واجتماع الشكر والصبر: يكون مع تألم النفس وتلذذها، وهذا حال يعسر على كثير وبسطه له موضع آخر". انتهى، من "مجموع الفتاوى" (8/209-210)، وينظر: "الفتاوى" (14/306).فلا بد من التفريق بين (ألم) المصيبة، وبين (النعم) التي حصلت بها، فالشكر يقع على النعم وهي المنافع، وليس على الأذى والألم.يبيِّنه: أن الإنسان إذا أصابته مصيبة من المنغصات القدرية؛ كهلاك مالٍ أو ولد مثلا؛ لم يكن مطالبًا بشكر الله تعالى على التألم الحاصل بالمصيبة، إنما يطالب بالصبر والرضا.وإنما يطالب بالشكر على نعمتين:النعمة الأولى: تكفير خطاياه الذي يحصل بمجرد وقوع المصيبة، وهو تكفير مترتِّب على الألم والضيق الحاصلين بالمصيبة.والنعمة الثانية: إذا صبرَ المبتلَى ورضيَ، ولجأ إلى الله ودعاه، ورغب إليه وناجاه، وأخلص في التوكل عليه؛ بسبب الضيق الحاصل بفقد المال أو مصيبة فقد الولد؛ كان دعاؤه ومناجاته لله تعالى وتوبته وتوكله وإنابته = من أعظم النِّعم التي تستوجب الشكر، وهي نعَمٌ يتلذذ بها العبد ويحبها، لا يتألم بها ولا يبغضها؛ وهو إنما أن يشكر الله تعالى على هاتين النعمتين، ولئن شكر الله تعالى، ليزيدنه من جنس النِّعمتين المشكورتين، وهما (تكفير الذنوب) و(الاهتداء بالعمل الصالح).وبناء عليه:فإن هذا الشاكر يدخل في قوله تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ، فيكون شكره لله على هذه النعم، موجِبا لزيادةٍ من جنس ما شكر الله عليه، وهو هذه النعم، بقطع النظر عن السبب.فيكون ما وعد الله تعالى به هو: زيادة هذه النعم إذا شُكرَتْ، وهي (تكفير الذنوب) الحاصل بذات المصيبة، و(الهدى والعمل الصالح ولذة المناجاة والافتقار إلى الله) وغير ذلك مما يقارن المصيبة، وليس بالضرورة أن يكون سبب الزيادة من هذه النعم، هو السبب الأول نفسه (المصيبة)، فقد يكون بغيرها من الأسباب، أو بمحض الفضل من الله تعالى المبتدئ عبادَه بالإحسان، سبحانه.ومحصل ما سبق:1- أن الشكر لا يصح إلا مقابل نعمةٍ.2- وأن المصائب وإن كانت عقوبات على السيئات (من جهة السبب)، فكذلك لا بد أن يجتمع فيها مع الألم المستوجب للصبر: نعمٌ تستوجب الشكر!3- وأن النعم التي تتضمنها المصائب نوعان؛ أحدهما: عام يشمل العبيد كلهم، وهو الحطُّ من الخطايا، ويحصل بمجرد الألم الذي في المصيبة. والنوع الثاني من النعم: خاص بالمؤمن، ويحصل له بعمله الصالح المقارن للمصيبة، كالتوبة والإنابة والدعاء وإخلاص التوكل، والإعراض عن الخلق، ولذة المناجاة، وغير ذلك، وهذه من أعظم النعم.4- وأن المصائب وإن كانت عقوبات من جهة السبب، فهي نعَمٌ ورحمة من جهة المآل، فإن اقترن بها طاعة كان ذلك نعمة ثانية، وإن اقترن بها معصية كان ذلك من نفس صاحبها.5- وأن الشكر على المصيبة مرتبة عليا؛ تعلو الصبر والرضا؛ وذلك بأن يتحمل الصابر الألم، وينشرح الراضي لمراد الرب، أما الشاكر فإنه يشهد المصيبةَ (نعمةً ومنحةً).فالمؤمن إنما يشكر الله في المصيبة على النعمة الدينية والمآل الذي واكبها، لا باعتبار ذاتها المؤلمة، مع بقاء تألم النفس الطبيعي.6- وأنَّ اجتماع الشكر مع الألم ممكن؛ كما يجتمع ألم الدواء الكريه مع نعمة إزالة المرض، فأدنى الضررين إذا زال أعظمهما كان نعمة.7- وأنَّ العبد إذا شكر نعمةً من النعم، استحقَّ الزيادة من جنس ما شكر الله تعالى عليه.وبما أن الشكر هو (قَيْد الموجود من النعم، وصيد المفقود منها)؛ فإن المؤمن حين يشكر على ما في المصيبة من محو الخطايا وأعمال الهدى ولذة المناجاة؛ تقع الزيادة الموعودة في قوله تعالى لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ على جنس هذه النعم، لا في محض الألم والجفاء.8- وبالجملة: فالشكر يقلب المصيبة من (عقوبة) سبَّبتها الذنوب؛ إلى (منحة)!فإذا تحقق مقام الشكر، فقد حصل (المقصود من البلاء)، وهو الإنابة، وحينئذ تندفع (النقمة)، ويبقى (الثواب).فالشكر عند المصيبة لا يؤدي إلى (زيادة المصيبة) كألمٍ وعقوبةٍ، فإن متعلَّق الشكر ليس هو (الألم)، بل متعلَّقه هو (النِّعَم).والله أعلم.الشكر على المصيبة.. هل هو مرتبة تتجاوز الصبر والرضا؟
مدار الساعة ـ











