مدار الساعة -كتب: عامر حياصات – في زمن غير بعيد ، كان تجاوز الشباب سن العشرين دون زواج يثير تساؤلات واستغرابا ، في ظل نظرة مجتمعية ترى ان الزواج خطوة طبيعية مبكرة مرتبطة بالاستقرار وتكوين اسرة وتحمل مسؤولية غير ان هذه النظرة شهدت تحولا ملحوظا خلال السنوات الاخيرة حيث لم يعد الزواج بالنسبة إلى الكثير من الشباب مجرد خطوة طبيعية تأتي في نهاية مرحلة الشباب، انما أصبح قرارا مؤجلا تحكمه حسابات معقدة تبدأ من الراتب ولا تنتهي عند عتبة المنزل .
وبينما تتقدم سنوات العمر، تتراجع القدرة على الادخار، وترتفع كلفة السكن والمهر وتأسيس البيت، ليجد الشاب نفسه أمام سؤال أكثر إلحاحا من "متى أتزوج"؟ وهو هل أستطيع أصلا أن أتحمل تكاليف الزواج ومسؤولياته؟، ليصل الامر بهم الى تأجيل الخطوة عاما بعد عام، لا لغياب الرغبة في تكوين أسرة، وإنما خوفا من أن يبدأ حياته الزوجية مثقلا بالديون والالتزامات. خبراء في علم الاجتماع حذروا من أن ارتفاع سن الزواج قد يؤدي مستقبلا إلى انخفاض معدلات الخصوبة وتغيير التركيبة الديموغرافية للمجتمع، بما يرفع نسبة الفئات الأكبر سنا على حساب الفئات الشابة، وينعكس على طبيعة العلاقة بين الأجيال مؤكدين ان عام 2021، الذي تزامن مع جائحة كورونا، كان العام الوحيد الذي شهد ارتفاعا في حالات الزواج ، معتبرين ان إغلاق القاعات والفنادق وخفض تكاليف حفلات الزواج أسهما في تسهيل الزواج أمام الشباب.وأكدوا أن ارتفاع تكاليف القاعات والكماليات يعد أحد معيقات الزواج، لكن السبب الأكبر يتمثل في التحول الثقافي وتغير سلم أولويات الشباب، إذ بات بعضهم يفضل إثبات الذات، والسفر، والاستمتاع بالحياة، وتحقيق الاستقرار المادي قبل الإقدام على الزواج كما أشاروا إلى أن العلاقات الافتراضية عبر الألعاب الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي استحوذت على جزء من مساحة العلاقات الاجتماعية المباشرة، ما أثر في نظرة بعض الشباب إلى الزواج ودورهبدورنا، حاورنا الشاب محمد فراس حيث برر عزوفه عن الزواج قائلا: لا أجد حياة "العزوبية " خيار مثالي، لكن أشعر صراحة أن الزواج في هذه الايام أصبح مشروعا ماليا يفوق قدرة كثير من الشباب، مشيرا الى ان التفكير في المهر وتجهيز البيت والإيجار أو شراء السكن والأثاث ومصاريف حفل الزواج، ثم الالتزامات التي تبدأ بعد الزواج، تشعرك كأنك مطالب بتأمين مستقبل كامل قبل أن تبدأ حياتك.وقال ضاحكا، أنا في الثلاثين وأريد أن أتزوج وأعيش حياة مستقرة، لكن لا أريد أن أبدأ زواجي وأنا غارق بالديون أو تحت ضغط الأقساط، مبينا أن الشاب أصبح أحيانًا يشعر أن راتبه مهما كان لن يكفي لتأمين المتطلبات الأساسية للزواج، وأردف قائلا بملء الفم: لما العجلة؟ ربما الأفضل لي أن أنتظر حتى تتحسن ظروفي، بدلا من أن أتزوج تحت ضغط اجتماعي ومادي، ثم أكتشف أن الديون والمصاريف أصبحت سببًا للخلافات والمشاكل.من جهته اكد الأربعيني زكريا شحارير والذي دخل العقد الرابع من عمره قبل ايام ، وينتظر "بنت الحلال" التي تقبل بظروفه الصعبة على حد تعبيره ، ان الديون اغرقت كاهله ، فقد اقترض من احد البنوك قبل 8 سنوات ليشتري مركبة ويعمل على "تطبيقات نقل الركاب" ليجد نفسه امام ركود سوق "الركاب" تارة ، وتكاليف اصلاح مركبته التي يعتاش عليها تارة اخرى ، وليضعني بنهاية حديثه امام سؤال مزعج !! لو كنت مكاني هل تستطيع الزواج وتكوين اسرة مستقرة ؟.وأضاف ، ان الجميع يقدم لي النصائح مثل : "تزوج والباقي يأتي لاحقا" ، لكن النصائح وحدها لا تكفي فالزواج مسؤولية اجتماعية تشترط الالتزام المالي وضبط النفقات لا الدعاء والتمنيات بحسب تعبيره ، إضافة الى انه وبحال الانجاب فهناك التزام مالي إضافي يستوجب العمل المضاعف والعثورعلى وظيفة اخرى براتب جيد قادر على تغطية هذه الالتزامات لان راتب الوظيفه الواحده لا يكفي بحال تضاعف عدد افراد الاسرة وتزايدت متطلباتهم . بدوره، أكد المختص في علم الاجتماع والدراسات الاسرية، موسى العلي ، ان نظرة الشباب إلى الزواج تبدلت، حيث ارتفعت لديهم توقعات عدم الاستقرار، واتسعت دائرة المخاوف من الفشل والطلاق، وأصبح الاستقلال المادي شرطا أساسيا قبل الإقدام على الارتباط، وبين ضغوط الاقتصاد، وارتفاع سقف المتطلبات وتغير أنماط الحياة والخوف من المستقبل، تتشكل ظاهرة تأخر الزواج لدى الشباب، لتطرح سؤالًا يتجاوز الأرقام والإحصاءات: هل يعزف الشباب فعلًا عن الزواج، أم أن الظروف هي التي تدفعهم إلى تأجيل حلم تكوين الأسرة؟وبين بني علي ان الشباب لا يبتعدون عن الزواج بشكل عام، إنما ابتعدوا عن الزواج بشكله القديم؛ فبينما كانت الأسرة في السابق تبدأ بمجرد القدرة على الزواج اجتماعيا، أصبح الزواج اليوم يحتاج إلى قدرة اقتصادية ونفسية وشخصية، وإلى شعور بأن العلاقة تستحق المخاطرة والالتزام ، مشيرا الى ان معالجة الظاهرة لا تكون فقط بتخفيض تكاليف الأعراس، وإنما بمعالجة جذور أوسع مثل: سوق العمل والبطالة والسكن وارتفاع التوقعات والعلاقة بين الأجيال والثقافة الأسرية ومهارات التواصل الزوجي والخوف من الطلاق، لذا لا ينبغي تحميل الشباب وحدهم مسؤولية الظاهرة؛ لأن تأخر الزواج في جوهره مؤشر على تحولات اقتصادية وثقافية واجتماعية أوسع من قرار الفرد نفسه.جيل الثلاثينات في الأردن.. لماذا يتأخر الزواج والاستقلالية؟
مدار الساعة ـ











