أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

ظلال التقوى وجنات النعيم

مدار الساعة,شؤون دينية
مدار الساعة ـ
حجم الخط

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

في رحاب الخلود، وحين تضيق بالمرء مسالك الدنيا وتتزاحم على قلبه هموم السعي ونوازع النفس، تتنزل الآيات القرآنية كالبلسم الشافي على الفؤاد المتعب، لترسم له معالم الطريق، وتفتح أمامه آفاقًا ممتدّة من الأمل والسكينة.

ومن أبهى تلك التجليات وأجلاها بيانًا، قول الحق تبارك وتعالى في سورة النحل: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْزِي اللَّهَ الْمُتَّقِينَ﴾.

إنها دعوة إلهية للتأمل، تأخذ بمجامع القلوب نحو دارٍ ليست كالدور، ونعيمٍ لا يشوبه كدر.

إن وصف الله سبحانه تلك الجنات بأنها "جنات عدن" يحمل في طياته معنى الإقامة والاستقرار؛ ففي الدنيا، يفسد النعيمَ خوفُ زواله، وتكدر الصفو عوارض النقص، أما هناك، فالخلود سرمدي، والبهجة مستمرة، والأنهار تجري من تحت القصور في مشهدٍ يأسر الألباب ويسكن الأرواح.

ولم يكن هذا الجزاء الأوفى مصادفة، بل جعله الله ثمنًا لعملٍ عظيم وخلقٍ كريم، ألا وهو تقوى الله، تلك التي تمثل الحصن الحصين والدرع المتين الذي يحمي العبد من الوقوع في سخط الخالق، وبها ينال صك الدخول إلى رحاب الرضا الإلهي. وفي قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ تتجلى عظمة الخالق وكرمه الذي لا تحده حدود، فكل ما يخطر على قلب بشر، وكل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، يُصبح رهن إشارة المؤمن، جزاءً وفاقًا على صبره وكفّ نفسه عن شهوات الدنيا الفانية.

لكن التدبر الحقيقي لا يقف عند حدود الإعجاب البياني أو الطرب الروحي، بل هو شعلة تُضيء دروب العمل. ولكي تتحول هذه الآية إلى واقع يعيشه المؤمن، لا بد من استحضار توجيهات عملية حية، تبدأ بمحافظة المرء على تقواه في السر والعلن، بحيث يستوي عنده العمل في خلوته وأمام العيون، مما يدفعه دفعًا نحو الاستكثار من الباقيات الصالحات، طمعًا في أن يكون من زمرة المتقين.

وحتى لا تضل الخطى في دروب الأمنيات، يتجلى منهاج السلوك في خطوات عملية يومية؛ تبدأ بالمحافظة التامة على الصلوات المكتوبة في أوقاتها بوعي وخشوع، فهي الصلة المباشرة التي تُثبت قلب المؤمن على الحق، ويتبعها جعل ورد يومي دائم من القرآن الكريم والذكر، ليبقى اللسان رطبًا بذكر الله، والقلب موصولًا بالوحي. فإذا ما دعت النفس الأمارة بالسوء صاحبها إلى زلة أو معصية، استدعى في مخيلته ذلك النعيم المقيم لتهون عليه اللذة العابرة، مشهرًا في وجهها سلاح الذكرى، ومستحضرًا أن الله أعد للمتقين ما هو خير وأبقى.

إن جنات العدن ليست مجرد أمنية تُرتجى بلا ثمن، بل هي ثمرة غراسٍ يُزرع في الدنيا بدموع الخشية، ويُسقى بماء الطاعة، ويُحمى بسياج التقوى؛ فمن أراد أن يكون له فيها ما يشاء، فليقدم اليوم لله ما يحب.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مدار الساعة ـ