ثمة شهادات لا تأتي لاستعادة الماضي فقط وانما تعيد ترتيب الذاكرة من جديد وبعد سنوات حين تهدأ العاصفة وتبتعد اصوات الشارع تبدأ التفاصيل التي لم تكن ترى في حينها بالظهور وشهادة دولة الدكتور بشر الخصاونة حول مرحلة الحراك الاردني خاص والربيع العربي بشكل عام وما رافقها من تحولات اقليمية وضغوط سياسية ليست مجرد استعادة لذكريات مضت وانما هي محاولة لقراءة مرحلة كانت من اكثر المراحل حساسية في تاريخ الاردن الحديث.
من عاش تلك السنوات من الداخل يدرك ان الصورة لم تكن كما ظهرت على شاشات التلفزيون ولم تكن مجرد احتجاجات ومسيرات وشعارات كان المشهد مختلف تماماً مشهد اكبر من ذلك بكثير اتصالات ولقاءات وتنسيقيات ومطالب تتسع تدريجيا ومواقف سياسية تتغير بسرعة في وقت كانت فيه المنطقة كلها تعيش واحدة من اكثر مراحلها الاضطراب والاشتعالكنا هناك.في وقتها كنا مجموعة من الشباب نتحرك في مساحة شديدة الحساسية نلتقي بمنسقي الحراك ونستمع الى طروحاتهم ونجلس مع شخصيات وفاعليات سياسية واجتماعية ونحاول ان نفهم الى اين يمكن ان يصل الشارع اذا استمر التصعيد كانت اللقاءات طويلة والاتصالات لا تنقطع والتفاصيل الصغيرة تصبح فجأة ذات اهمية كبيرة تتحدث عن موعد فعالية او مكان تجمع وماهي طبيعة المشاركين و وماهو سقف الخطاب والهتاف وهل يمكن ان يهدئ وهتاف اخر يمكن ان يشعل مواجهة لا يعرف احد كيف سينتهي.ولعل من اهم ما يجب قوله اليوم هو ان حجم المشاركة الشعبية في كثير من تلك الفعاليات لم يكن بالحجم الذي كانت توحي به التغطيات والمشاهد التلفزيونية كان هناك حضور احتجاجي نوعا ما حقيقي ومطالب اجتماعية وسياسية نوعا ما حقيقية لكن اعداد المشاركين في كثير من الفعاليات بقيت محدودة مقارنة بالصورة التي كانت تصل الى الرأي العام ومع ذلك كانت القدرة على التنظيم والحشد وتكرار الحضور في كل فعالية تمنح المشهد زخما سياسيا واعلاميا اكبر من حجمه العددي في بعض الاحيان لغايات سياسية وفي ذلك المشهد كانت جماعة الاخوان المسلمين حاضرة بقوة وتحاول الاستفادة من موجة الاحتجاج وركوبها سياسياً من خلال المشاركة في الفعاليات ومحاولة توسيع الحشد والتعبئة في مناسبات متعددة بكافة الطرق الممكنة لديهم وهذا لا يعني ان كل من شارك في الحراك الشعبي في ذاك الوقت كان منتميا الى الجماعة او يتحرك وفق اجندتها فقد كان بين المحتجين مواطنون خرجوا احتجاجا على اوضاع اقتصادية ومعيشية وشباب يبحثون عن اصلاح سياسي وناشطون لهم مطالبهم الخاصة لكن حضور الجماعة وتنظيمها وقدرتها على التحرك كان عاملا مؤثرا في المشهد لا يمكن تجاهله عند قراءة تلك المرحلة لكونهم يملكون القدرة على التعبئة والتحشيد بكافة الادوات ومن ابرز المحطات التي بقيت في الذاكرة هو اعتصام مايسمى جماعة 24 اذار على دوار الداخلية في عمان كان الاعتصام محطة فارقة لان المشهد انتقل خلالها من فعاليات متفرقة الى اعتصام مفتوح في موقع حساس في قلب العاصمة ارتفع به سقف الخطاب واشتد التوتر وبدت الصورة امام الدولة اكثر تعقيدا من مجرد وقفة احتجاجية عابرة مهيئة لصدام كنا نتابع تلك التفاصيل وندرك ان المسألة لا تتعلق فقط بعدد الموجودين في المكان كانت الرسالة السياسية التي يحملها الاعتصام وطبيعة الموقع والتغطية الاعلامية وحجم الاستقطاب كلها عوامل تضاعف من اثر الحدث وماهي المخرجات التي يمكن أن تحدث حينها كنا واثقون بان الدولة قادرة على التعامل مع الازمة حيث كان فعلا اختبارا للدولة وقدرتها على منع الخلاف السياسي و التحول الى مواجهة مفتوحة ونجحت في ذلك الدولةفي تلك السنوات لم تكن الدولة تواجه الشارع وحده كان الاقتصاد تحت ضغط ثقيل وكانت ازمة انقطاع الغاز المصري واحدة من الملفات التي كشفت هشاشة البيئة الاقليمية التي يتحرك فيها الاردن ولم يكن انقطاع الغاز مجرد مشكلة في امدادات الطاقة فقد عنى كلفة اضافية وضغطا ماليا واقتصاديا في وقت كانت فيه الدولة اصلا تواجه تحديات قاسية فيما كانت المنطقة من حولها تغلي وتتغير خرائطها السياسية والامنية بسرعة مذهلة.كنا هناك بدأ سقف المطالب السياسية يرتفع حيث لم تعد المسألة مرتبطة فقط بحكومة او قانون او قرار اقتصادي يتعلق بغلاء اسعار ظهرت مطالبات وهتافات سياسية دخيلة على المجتمع الأردني تطالب بتعديلات دستورية تمس طبيعة توزيع الصلاحيات في النظام السياسي ووصل بعضها الى الدعوة لتقليص صلاحيات جلالة الملك وهنا كان المشهد يدخل منطقة اكثر حساسية لان الخلاف على اداء حكومة يمكن ان ينتهي بتغيير حكومة اما فتح النقاش حول بنية الدولة وقواعدها الاساسية تحت ضغط الشارع فهو سؤال مختلف تماما يتعلق بمستقبل النظام السياسي واستقرار الدولة نفسها وهيبة الدولة والذي كان مرفوضاً من قبل كافة ابناء الشعب الأردني الواحد وفي خضم ذلك كانت هناك محاولات لنقل حالة الاحتجاج الى المضارب العشائرية والمخيمات وتنظيم وقفات وفعاليات تستند الى الثقل الاجتماعي للعشيرة في محاولة لرفع منسوب الضغط وتوسيع دائرة التأثير السياسي غير ان هذه المحاولات لم تنجح في تحقيق ما كان يراد منها وبقيت العشيرة والمخيم في ذاك اكثر وعيا بخطورة تحويل مكانتها الاجتماعية الى اداة في الصراع السياسي وكانت تلك واحدة من المحطات التي كشفت ان المجتمع الاردني لم يكن كتلة واحدة يمكن دفعها باتجاه واحد حتى التعليم لم يكن بعيدا عن المشهد فقد وصلت محاولات الضغط والاستقواء الى مؤسسات التعليم والطلبة في وقت كان يفترض ان تبقى المدرسة والجامعة فضاء للعلم وبناء الشخصية لا ساحة لتصفية الحسابات السياسية او اختبار قوة الدولة وهنا كان الخطر اكبر من حادثة او احتجاج لان استهداف هيبة المؤسسة التعليمية يعني ضرب واحدة من اهم الادوات التي تبني بها الدولة علاقتها باجيالها الجديدة.كل ذلك كان يحدث في لحظة واحدة تقريبا وفي محيط اقليمي كان يتهاوى امام اعيننا دول تسقط وانظمة تتغير ومؤسسات تتفكك وحدود يعاد رسمها وقوى اقليمية ودولية تتنافس على النفوذ وكان الاردن يقف في قلب الجغرافيا الملتهبة محاط بالازمات من اكثر من اتجاه وفي داخله ضغوط اقتصادية واجتماعية وسياسية لا يمكن انكارها.في تلك اللحظة كان السؤال الحقيقي اكبر من الحكومة والبرلمان والحراك كان السؤال كيف يمكن للدولة ان تصلح نفسها دون ان تهدم مؤسساتها وكيف يمكن ان تسمح بالمعارضة دون ان تتحول المعارضة الى صراع على الدولة وكيف يمكن ان يفتح الاصلاح السياسي ابوابه دون ان يصبح الشارع هو من يكتب قواعد النظام تحت ضغط اللحظة.هنا بالضبط تظهر اهمية شهادة دولة الدكتور بشر الخصاونة فهو لم يكن يتحدث عن مرحلة قرأ عنها بعد انتهائها وانما عن مرحلة عايشها من داخل الدولة ورأى جزء من تفاصيلها وعرف ماهي طبيعة الضغوط التي كانت تحيط بالاردن وهذا لا يعني ان شهادته فوق النقاش او انها الرواية الوحيدة وانما يعني انها شهادة تستحق ان تسمع وان تناقش وان توضع الى جانب شهادات اخرى حتى لتكتمل صورة مرحلة ما زالت بحاجة الى قراءة هادئة وتوثيق كل ماحدث بها ومن حق اي سياسي او باحث او صحفي ان يختلف مع الدكتور بشر الخصاونة وان يرفض استنتاجا او يناقش تفصيلا او يقدم رواية مختلفة وهذا حق مشروع للجميع لكن تحويل الشهادة الى مناسبة لتصفية الحسابات مع الرجل هذا لا يخدم الحقيقة فالتاريخ لا يكتب بالصراخ ولا تستعاد الذاكرة بالتخوين ولا تصبح الوقائع اقل اهمية لان من يرويها شخصية سياسية الجميع يتفق عليها لقد اثبتت السنوات التي جاءت بعد ذلك ان الاردن لم يكن يعيش ازمة عادية دول كانت تبدو قوية سقطت ومؤسسات كانت تبدو راسخة تفككت واحتجاجات بدأت بمطالب سياسية وانتهت في بعض الدول الى حروب وصراعات وتهجير وانهيار للدولة وفي المقابل استطاع الاردن ان يعبر تلك السنوات الثقيلة ويحافظ على مؤسساته وتماسكه وقراره الوطني بكل قوة وهنا لا بد من التمييز بين الدفاع عن الدولة وبين تبرير اخطائها فالدولة القوية ليست دولة لا تخطئ والحكومة التي لا تخضع للنقد ليست حكومة قوية القوة الحقيقية ان تمتلك الدولة القدرة على الاصلاح والتصحيح وان تسمح بالاختلاف وان تسمع الشارع وفي الوقت نفسه ان لا تسمح بتحويل الخلاف السياسي الى صراع على مؤسساتها او تحويل المجتمع الى ساحات نفوذ متنافسةواليوم عندما ننظر ونعود الى الوراء تبدو بعض التفاصيل اكثر وضوحا مما كانت عليه في حينها حيث حادثة انقطاع الغاز المصري لم يكن حدثا منفصلا عن المشهد الاقليمي والضغط الاقتصادي لم يكن منفصلا عن السياسة والمطالبات بتعديل الدستور وتقليص صلاحيات جلالة الملك لم تكن مجرد شعارات عابرة ومحاولات نقل الاحتجاج الى المضارب العشائرية والثقل الشعبي لم تنجح في تحويل العشيرة الى اداة ضغط سياسي ومحاولات الاستقواء على التعليم والطلبة لم تكن تفصيلا هامشيا كانت كلها اجزاء من مشهد اكبر كانت الدولة تحاول ان تديره دون ان ينفلت من يدها ونجحت في إدراته في ذاك الوقت كنا هناك.نتذكر ليالي الاتصالات ولقاءات عمان والنقاشات الطويلة والقلق الذي كان يسبق بعض الفعاليات ومحاولات التهدئة التي جرت بعيدا عن الكاميرات نتذكر ان كثيرا من الجهد لم يكن يظهر في الاخبار لان النجاح في بعض الاحيان كان يعني ببساطة الا يحدث شيء وان لا يكون هناك قطرة دم وان تلغى فعالية او يهدأ خطاب او يتراجع هتاف او يجلس طرفان الى طاولة واحدة قبل ان يصل الخلاف الى الشارع لم نكن اصحاب قرار ولا ندعي اليوم اننا كنا كذلك كنا شبابا نحاول ان نفهم ما يحدث وان نساهم بما نستطيع في ابقاء الخلاف السياسي داخل مساحة يمكن احتواؤها لاننا كنا نؤمن ان الوطن اكبر من اي حكومة وان الاختلاف لا يجب ان يتحول الى خصومة مع الدولة وان الاصلاح الحقيقي لا يحتاج الى اسقاط الدولة حتى ينجح.ولهذا فان ذاكرتنا ليست رواية نكتبها اليوم من اجل الانتصار لاحد وانما هي شهادة جيل عاش تلك اللحظة من داخلها ورأى كيف يمكن ان تتغير الامور خلال ساعات وكيف يمكن لعبارة ان تشعل الشارع وكيف يمكن لقرار حكيم ان يمنع ازمة من التوسع.قد تختلف الروايات وقد تختلف المواقف وقد يأتي من يقول اننا نقرأ تلك المرحلة من زاوية مختلفة وهذا حقه لكن ما ليس من حق احد هو ان يلغي ذاكرة عاشها اصحابها او ان يختصر سنوات كاملة في شعار واحد كنا هناك.ورأينا العاصفة وهي تقترب ورأينا حجم المخاطر التي كانت تحيط بالاردن ورأينا في الوقت ذاته كيف حافظة الدولة على تماسكها وهي تسير في طريق بالغ الصعوبة.لهذا فان شهادة دولة الدكتور بشر الخصاونة تستحق ان تقرأ بهدوء لا ان تحاكم بالضجيج قد نختلف معه وقد نتفق معه وقد تكشف شهادات اخرى تفاصيل مختلفة لكن قيمة الشهادة انها تفتح الباب امام اعادة قراءة مرحلة لا يجوز ان تتحول الى ذاكرة انتقائية.فالدول لا تنجو من العواصف بالحظ ولا تبقى متماسكة لان الخطر لم يصل اليها تبقى لانها تمتلك مؤسسات وقيادة تعرف متى تستمع ومتى تصلح ومتى تتراجع ومتى تقول ان الخلاف السياسي مهما بلغ لا يجوز ان يتحول الى صراع على الدولة.واليوم بعد كل ما جرى في الاقليم اصبح من السهل ان نفهم ما لم يكن سهلا فهمه في حينه.لم تكن العاصفة بعيدة عن الاردن ولكن الاردن عبرها.وهذه ليست خاتمة قصة وانما حقيقة سياسية تستحق ان تبقى في الذاكرة ولهذا كنا هناك ولهذا نتذكر حمى الله وطني ومليكه وشعبه وجيشه العربي واجهزته الامنية ورجاله المخلصينكنا هناك.. عندما واجهت الدولة العاصفة
مدار الساعة ـ