مدار الساعة - لم تعد الهوية الوطنية تُبنى في المدرسة والجامعة والأسرة فقط، ولا تُقدَّم حصراً عبر الكتب والمناهج ووسائل الإعلام التقليدية. فقد انتقلت مساحة واسعة من النقاش حول الوطن والانتماء والذاكرة والتاريخ إلى شاشات الهواتف ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث أصبح المواطن قادراً على إنتاج صورة عن وطنه، والتعليق عليها، وإعادة نشرها، بل وإعادة تفسيرها من جديد.
ووفقاً لبيانات منصة DataReportal، وصل عدد مستخدمي فيسبوك في الأردن إلى 5.55 مليون مستخدم مع نهاية عام 2025، مع ارتفاع استخدام البيانات المتنقلة إلى 767.5 مليون غيغابايت في الربع الثالث من العام نفسه، وزيادة اشتراكات الجيل الخامس بنسبة 307% خلال عام واحد. وتعكس هذه المؤشرات اتساع الحضور الرقمي في الحياة اليومية، وتدفع إلى إعادة التفكير في الطريقة التي تتشكل بها صورة الوطن في البيئة الرقمية.ومن هنا يبرز سؤال مهم: كيف يمكن فهم الهوية الوطنية الأردنية في عصر الإعلام الرقمي؟قد يبدو السؤال للوهلة الأولى متعلقاً بالإعلام فقط، لكنه يتصل في الواقع بالجغرافيا والتاريخ والذاكرة والثقافة وطريقة رؤية الأردنيين لبلدهم. وهنا يمكن استحضار فكرة «عبقرية المكان» عند المفكر والجغرافي المصري جمال حمدان، ليس باعتبارها وصفة جاهزة للهوية الأردنية، وإنما باعتبارها مدخلاً لفهم العلاقة بين المكان والتاريخ والإنسان.الأردن... أكثر من حدود على الخريطةالأردن ليس مجرد مساحة جغرافية محددة بحدود سياسية، بل هو حصيلة طبقات متراكمة من المكان والتاريخ والثقافة والتجربة الإنسانية. فمن الأغوار إلى المرتفعات، ومن البادية إلى وادي رم والبحر الميت، تتشكل جغرافيا متنوعة تحمل تجارب بشرية وتاريخية متعددة. وعلى هذه الأرض تعاقبت حضارات ومراحل تاريخية تركت آثارها في المكان والذاكرة، من الأنباط والرومان والبيزنطيين إلى الحضارة الإسلامية والعهد العثماني، ثم مرحلة الإمارة وتأسيس المملكة الأردنية الهاشمية.كما أن موقع الأردن في قلب المشرق العربي منحه أهمية جيوسياسية خاصة، وجعل تجربته التاريخية مرتبطة بمحيطها الإقليمي والعربي. ويمكن النظر إلى هذه العناصر مجتمعة بوصفها جزءاً من الشخصية الجيوتاريخية للأردن، أي ذلك التفاعل المستمر بين الجغرافيا والتاريخ والإنسان.وهنا تصبح فكرة «عبقرية المكان» مفيدة في قراءة الهوية الوطنية. لكن من الضروري أن يكون استخدام هذا المفهوم دقيقاً؛ فالدراسة لا تفترض أن جمال حمدان وضع نظرية مكتملة عن الهوية الوطنية الأردنية بالمعنى المتداول اليوم، ولا تتبنى بالضرورة كل ما ورد في كتاباته عن الأردن، والتي جاءت في سياقات تاريخية وجيوسياسية مختلفة. وإنما تستفيد من منهجه في الربط بين المكان والتاريخ والإنسان، وتعيد توظيف هذا المنظور في محاولة لفهم سؤال معاصر: ماذا يحدث للشخصية الجيوتاريخية عندما تنتقل إلى العالم الرقمي؟من الموقع الجغرافي إلى الشاشةفي الماضي، كان الإنسان يتعرف إلى وطنه من خلال زيارة المواقع التاريخية، أو قراءة الكتب، أو مشاهدة البرامج التلفزيونية، أو الاستماع إلى الروايات العائلية والشعبية. أما اليوم، فقد تكون الصورة الأولى التي يرى فيها شاب أردني البتراء أو وادي رم أو أم قيس أو البحر الميت مقطعاً قصيراً على هاتفه.وهنا يتغير حضور المكان.فالمكان لم يعد حاضراً فقط في موقعه الجغرافي، وإنما أصبح حاضراً أيضاً في الصور والفيديوهات والمنشورات والتعليقات والقصص الرقمية. والبتراء، على سبيل المثال، ليست مجرد موقع أثري في جنوب الأردن؛ ففي البيئة الرقمية يمكن أن تظهر باعتبارها رمزاً للسياحة، أو شاهداً على الحضارة النبطية، أو خلفية لصورة شخصية، أو مشهداً بصرياً سريعاً في فيديو قصير.كل تمثيل من هذه التمثيلات يمنح المكان معنى معيناً. ومن ثم، فإن الإعلام الرقمي لا يكتفي بنقل صورة الأردن إلى الجمهور، بل يشارك في تحديد أي صورة من الأردن ستظهر، وكيف ستظهر، وما المعنى الذي قد يرتبط بها. الهوية لا تُنقل... بل تُعاد صياغتهاتكمن أهمية الإعلام الرقمي أيضاً في أنه جعل الجمهور شريكاً في صناعة الصورة الوطنية. فالمستخدم لم يعد مجرد متلقٍ، بل أصبح يصور وينشر ويعلق ويشارك ويعيد إنتاج المحتوى، وقد يضيف إليه معنى جديداً. وعندما ينشر شخص صورة لموقع تاريخي أردني، فإنه لا ينقل المكان فقط، بل قد يربطه بذاكرة شخصية أو قصة عائلية أو معنى وطني. وعندما يعيد آخر نشر الصورة، فهو يشارك في تداول هذا المعنى، بينما قد يضيف شخص ثالث إليها زاوية تاريخية أو اجتماعية مختلفة.بهذا المعنى، يمكن النظر إلى الهوية في الفضاء الرقمي بوصفها عملية مستمرة من البناء والتمثيل والتفاعل وإعادة الإنتاج.وتستفيد الدراسة في تفسير هذه العملية من مجموعة من المداخل النظرية المتكاملة. ففكرة البناء الاجتماعي للواقع تساعد على فهم كيفية تشكل المعاني من خلال التفاعل الاجتماعي، بينما تفسر نظرية التمثلات الاجتماعية كيفية تحول هذه المعاني إلى صور ورموز وسرديات مشتركة. أما التفاعل الرمزي، فيساعد على فهم الطريقة التي يعاد بها إنتاج هذه المعاني من خلال الإعجاب والتعليق والمشاركة وإنتاج محتوى جديد.وبذلك يمكن تصور العملية في صورة دائرة متحركة تبدأ من المكان والتاريخ، ثم تنتقل إلى بناء المعنى، فالتمثيل الرقمي، فتفاعل الجمهور، ثم إعادة إنتاج الهوية. وما ينتجه الجمهور اليوم قد يصبح مادة يعاد استخدامها غداً، وما يحظى باهتمام واسع قد يدفع إلى إنتاج المزيد من المحتوى المشابه.هل ترسم الخوارزميات صورة الأردن أيضاً؟غير أن هذه العملية لا تجري في فضاء محايد تماماً. فالمنصات الرقمية تستخدم أنظمة للتوصية والترتيب وجذب الانتباه، وهو ما يعني أن المستخدم لا يرى بالضرورة كل ما يُنشر، وإنما يتلقى جزءاً من المحتوى وفق آليات تقنية وتفاعلية متعددة.وهنا يظهر سؤال آخر: هل يمكن أن تؤثر الخوارزميات بصورة غير مباشرة في الصورة التي نكوّنها عن وطننا؟لا يعني ذلك أن الخوارزميات تتعمد تشويه الهوية الوطنية، ولا أن تأثيرها حتمي، وإنما يشير إلى احتمال أن يؤدي تفاوت انتشار المحتوى وتفاعله إلى إبراز بعض جوانب الهوية أكثر من غيرها. فقد تظهر البتراء، مثلاً، بصورة بصرية متكررة، بينما تتراجع تفاصيل تاريخية أو ثقافية أخرى لا تحظى بالقدر نفسه من الجاذبية الرقمية. وكذلك الحال مع وادي رم أو البحر الميت، حيث قد تُختزل معانيهما في مشاهد بصرية مألوفة، بينما تغيب الأبعاد الثقافية والبيئية والتاريخية الأوسع.وتزداد أهمية هذا السؤال عندما يتعلق الأمر ببلد يتميز بتنوع جغرافي وتاريخي وثقافي واضح. فالأردن ليس البتراء وحدها، ولا عمّان وحدها، ولا وادي رم وحده. هناك الأغوار والبادية والشمال والوسط والجنوب، والمدن والقرى والمخيمات، وهناك الذاكرة الاجتماعية والعادات واللهجات والحكايات والتجارب اليومية.ومن هنا، فإن التحدي لا يتمثل فقط في حضور الأردن على المنصات الرقمية، وإنما في طبيعة هذا الحضور: هل تعكس الصورة الرقمية تعدد التجارب التي تشكل المجتمع الأردني، أم تميل إلى اختزال الهوية في مجموعة محدودة من الرموز والصور الأكثر قابلية للانتشار؟الفضاء الرقمي ليس تهديداً للهوية بالضرورةوفي المقابل، لا ينبغي النظر إلى الفضاء الرقمي بوصفه تهديداً للهوية الوطنية بالضرورة. فهو يمكن أن يكون مجالاً لإحياء الذاكرة الوطنية، والتعريف بالمواقع التاريخية، وإبراز التنوع الثقافي والجغرافي، وإتاحة مساحة أوسع أمام الأجيال الجديدة للمشاركة في إنتاج السردية الوطنية.كما أن اختلاف الروايات والتجارب داخل الفضاء الرقمي لا يعني بالضرورة تفكك الهوية؛ فقد يكون جزءاً من طبيعة الهوية نفسها بوصفها ظاهرة اجتماعية حية تتشكل باستمرار من خلال التفاعل والتجربة وإعادة تفسير المعاني.ومن هذا المنظور، يصبح السؤال الأهم ليس فقط: كيف نحافظ على الهوية الوطنية في مواجهة الإعلام الرقمي؟ وإنما أيضاً: كيف يمكن استثمار الإعلام الرقمي لإظهار غنى هذه الهوية؟يمكن للمحتوى الرقمي أن يقدم الأردن بطريقة تتجاوز الصور السياحية التقليدية، وأن يربط المكان بالتاريخ والإنسان؛ فيتحول الموقع الأثري إلى قصة، والمنظر الطبيعي إلى ذاكرة، والمدينة إلى حكاية، والعادة الاجتماعية إلى جزء من التاريخ الثقافي، والتجربة اليومية للإنسان إلى عنصر من عناصر السرد الوطني.نحو «شخصية الأردن» في العصر الرقميوهنا تكتسب «عبقرية المكان» دلالة جديدة في هذا السياق؛ فهي لا تُستخدم بوصفها نظرية جاهزة لتفسير الهوية الرقمية، وإنما بوصفها مدخلاً يساعد على طرح سؤال العلاقة بين المكان والتاريخ والإنسان من جهة، وطريقة تمثيل هذه العناصر وتداولها في الفضاء الرقمي من جهة أخرى.وبذلك تنتقل الفكرة من سؤال المحافظة على صورة ثابتة للهوية إلى سؤال أكثر اتساعاً حول كيفية تمثيل تنوعها، وكيف يمكن للإعلام الرقمي أن يفتح المجال أمام روايات متعددة عن المكان والذاكرة والتجربة الوطنية، مع الحفاظ على الدقة التاريخية والوعي بطبيعة المنصات وآلياتها.خاتمةفي النهاية، ربما لا يكون السؤال: هل يهدد الإعلام الرقمي الهوية الوطنية الأردنية أم يحافظ عليها؟ فالعلاقة أكثر تعقيداً من هذا التقابل. الأهم هو فهم الطريقة التي يعيد بها الفضاء الرقمي إنتاج صورة الأردن، وما الذي يظهر منها، وما الذي يتراجع، وكيف يشارك الجمهور في صياغة هذه الصورة.هل نرى الأردن كما هو، أم كما تريده الخوارزميات؟ومن هنا يبقى السؤال المفتوح:أي أردن يظهر على شاشاتنا؟الأردن على الشاشة: كيف يعيد الإعلام الرقمي تشكيل صورة الوطن؟
مدار الساعة ـ
ملخص دراسة للدكتور تحسين منصور
الجامعة الأردنية- كلية الآداب
قسم الاتصال الرقمي


