أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

رعاية الدين الإسلامي في رحاب القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي


غسان الزيود

رعاية الدين الإسلامي في رحاب القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي

مدار الساعة ـ

حين نتحدث عن القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، فإننا لا نتحدث عن مؤسسة تحمل السلاح وتحرس الحدود وتصون أمن الوطن فحسب، بل نتحدث عن مدرسة وطنية عريقة أسهمت، على امتداد تاريخها، في بناء الإنسان الأردني وترسيخ قيم الانضباط والشرف والتضحية والوفاء.

وفي قلب هذه المدرسة الوطنية، احتل الدين الإسلامي مكانة راسخة، ليس باعتباره جانباً شكلياً أو نشاطاً موسمياً، وإنما بوصفه أحد المكونات الأساسية في بناء شخصية الجندي، وصناعة وعيه، وتهذيب سلوكه، وتعزيز إحساسه بالمسؤولية تجاه وطنه وقيادته ومجتمعه.

فالجندي الذي يحمل السلاح دفاعاً عن وطنه يحتاج إلى عقيدة تهذب القوة، وإلى أخلاق تضبط استخدامها، وإلى إيمان يعينه على الصبر والثبات والتضحية. ولذلك جاءت الرعاية الدينية في الجيش العربي الأردني جزءاً من منظومة متكاملة تجمع بين التأهيل العسكري، والتربية الوطنية، والتثقيف الديني، وبناء الإنسان.

*مديرية الإفتاء العسكري.. العلم الشرعي في خدمة الجندية*

ومن أبرز صور هذا الاهتمام وجود مديرية الإفتاء العسكري، التي ترسخت عبر عقود بوصفها الجهة المعنية بالشأن الديني والإرشاد الشرعي داخل القوات المسلحة، وتسهم في نشر الثقافة الإسلامية، وترسيخ العقيدة الصحيحة، وتأهيل الأئمة والمرشدين، وتقديم التوجيه الديني لمنتسبي الجيش العربي.

وقد تطور دور المديرية ليصبح منظومة متكاملة من العلم والتأهيل والإرشاد، لا تقتصر على الإجابة عن المسائل الشرعية، وإنما تتصل ببناء الوعي الديني والفكري للعسكري، وتعزيز قيم الوسطية والاعتدال، ومواجهة الغلو والتطرف بالعلم والمعرفة.

وتؤكد مسيرة المديرية العلمية هذا الدور؛ فقد عقدت الموسم العلمي التاسع والأربعين عام 2024 في كلية الأمير الحسن للعلوم الإسلامية، وكان موضوعه "العقيدة القتالية وسبل تعزيزها لدى منتسبي القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي"، بينما افتتحت في عام 2025 الموسم العلمي الخمسين بعنوان "التخطيط العسكري واللوجستي في السيرة النبوية"، بما يعكس محاولة ربط المعرفة الدينية بقضايا الجندية والواقع المعاصر.

وهذه الرؤية تؤكد أن الدين في المؤسسة العسكرية ليس مادة نظرية منفصلة عن الحياة، وإنما مصدر للقيم التي يحتاجها الجندي في الميدان: الأمانة، والانضباط، والعدل، والصبر، والإخلاص، وتحمل المسؤولية.

*المسجد في الكتيبة.. سكينة الروح وبناء الضمير*

ومن أجمل صور حضور الدين في المؤسسة العسكرية الأردنية وجود المساجد في مختلف الوحدات والتشكيلات العسكرية.

فالمسجد داخل الكتيبة ليس مجرد مكان لأداء الصلاة، بل مساحة للسكينة واستعادة التوازن الروحي، ونافذة يطل منها الجندي على معنى أعمق للحياة والواجب.

وعندما يقف الجندي إلى جانب قائده وزميله في صف واحد، تتجسد أمامه معاني الأخوة والمساواة والتواضع والانضباط، ويجد في الصلاة لحظة يتجرد فيها الجميع من الرتب والمواقع أمام الخالق سبحانه وتعالى.

وفي المسجد يتعلم الجندي أن القوة مسؤولية، وأن السلاح أمانة، وأن الشجاعة لا تنفصل عن الأخلاق، وأن الدفاع عن الوطن لا يتعارض مع احترام الإنسان وكرامته.

وهكذا يصبح المسجد جزءاً من البيئة العسكرية، ويصبح الأذان داخل الوحدة تذكيراً يومياً بأن وراء الزي العسكري إنساناً له روح وضمير وقيم.

كلية الأمير الحسن للعلوم الإسلامية.. حين يلتقي العلم الشرعي بالتأهيل العسكري

وإذا كانت المساجد هي مواضع العبادة داخل المؤسسة العسكرية، فإن كلية الأمير الحسن للعلوم الإسلامية تمثل إحدى أهم ركائز التأهيل العلمي والشرعي للأئمة والمرشدين.

وتعود مسيرة الكلية إلى عام 1977، وقد ارتبطت أكاديمياً بجامعة مؤتة وعسكرياً وإدارياً بمديرية الإفتاء العسكري، وأصبحت مصدراً أساسياً لرفد القوات المسلحة بالأئمة المؤهلين.

وتتميز التجربة الأردنية هنا بأنها لا تكتفي بإعداد رجل دين يمتلك المعرفة الشرعية، وإنما تسعى إلى إعداد الإمام الذي يفهم الجندية؛ الإمام الذي يجمع بين العلم الشرعي والتأهيل العسكري والمسلكي، ويدرك طبيعة البيئة العسكرية واحتياجات الجندي وتحدياته.

وهذه الخصوصية تجعل الإمام العسكري قريباً من واقع منتسبي القوات المسلحة، قادراً على ربط العبادة بالسلوك، والإيمان بالمسؤولية، والدين بالوطن، وتقديم خطاب ديني قائم على الحكمة والموعظة الحسنة والاعتدال.

وقد أكدت القوات المسلحة في برامجها التدريبية أن كلية الأمير الحسن تسهم في تأهيل الأئمة والمرشدين في مجالات الفقه والعلوم الشرعية والقرآن الكريم والسنة النبوية والتحصين الفكري.

*من رحاب الجيش العربي.. أئمة وعلماء وكفاءات شرعية*

ولعل من أهم ثمار هذه التجربة أن القوات المسلحة لم تكن فقط مؤسسة تستقبل الأئمة والمرشدين، بل أصبحت بيئة علمية أسهمت في إعداد أجيال من الكفاءات الشرعية.

فقد تخرج من منظومة التأهيل الديني العسكري أئمة ومرشدون حملوا رسالة العلم والدعوة داخل القوات المسلحة، وكان لهذه التجربة أثرها في رفد الحياة الدينية الأردنية بكفاءات تجمع بين العلم والانضباط والمسؤولية والخبرة العملية.

وهذه ميزة مهمة؛ فالعالم أو الإمام الذي يتلقى تأهيلاً يجمع بين العلوم الشرعية والانضباط العسكري يتعلم منذ البداية أن العلم أمانة، وأن الخطاب الديني مسؤولية، وأن مواجهة التطرف لا تكون بالصوت المرتفع وإنما بالعلم والحجة والوعي.

ولهذا لم تتوقف الكلية عند التعليم الأساسي، بل توسعت في برامجها المتخصصة، لتشمل التلاوة والتجويد والحفظ، والفقه وأصوله، والعلوم الشرعية، والقراءات والدراسات القرآنية، والتحصين الفكري، والتأهيل الأسري وغيرها.

*القرآن الكريم والحديث الشريف.. منافسة في الخير*

ومن أبرز صور الرعاية الدينية في الجيش العربي المسابقات القرآنية والحديثية، التي تفتح أمام العسكريين باباً للتنافس في العلم وحفظ كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

فالمسابقة الدينية ليست مجرد منافسة على جائزة، وإنما وسيلة تربوية تجعل القرآن والحديث جزءاً من الحياة اليومية للعسكري، وتربط المعرفة بالسلوك.

وقد توسعت القوات المسلحة في برامج القرآن الكريم، ففي عام 2026 احتُفل في كلية الأمير الحسن للعلوم الإسلامية بتخريج الفوج الخامس من برنامج دبلوم القراءات والدراسات القرآنية، وهو برنامج يرفع الكفاءة العلمية للأئمة والمرشدين ويسهم في ترسيخ القيم الإسلامية والوطنية والتحصين من الفكر المتطرف.

كما تتضمن برامج الكلية دورات متخصصة في التلاوة والتجويد والحفظ، والقراءات، والعلوم الشرعية، ومكافحة التطرف الفكري، بما يؤكد أن بناء الوعي الديني أصبح جزءاً من منظومة التدريب والتطوير داخل المؤسسة العسكرية.

وهنا تتحول المسابقة إلى مدرسة، والجائزة إلى حافز، وحفظ القرآن والحديث إلى وسيلة لبناء شخصية أكثر اتصالاً بقيم الصدق والأمانة والصبر والرحمة والإحسان.

*الحج والعمرة.. عبادة وتكريم لأبناء الجيش العربي*

وتأتي بعثات الحج والعمرة العسكرية كواحدة من أرقى صور الرعاية الدينية والإنسانية التي تقدمها القوات المسلحة لأبنائها.

وفي عام 2026 غادرت بعثة الحج العسكرية الأردنية رقم 51 إلى الديار المقدسة، وضمت عسكريين عاملين ومتقاعدين، ومصابين عسكريين، وذوي شهداء. وأكدت القوات المسلحة أن تسيير بعثات الحج والعمرة يتم سنوياً حرصاً على تعزيز الجانب الديني والروحي لدى منتسبيها واستلهام معاني الصبر والتضحية والإخلاص المرتبطة برسالة الجندية والانتماء الوطني.

وهذه البعثات ليست مجرد رحلة لأداء فريضة، بل تجربة إيمانية تتقاطع فيها قيم الحج مع قيم الجندية: الصبر، والانضباط، وتحمل المشقة، والتواضع، والتجرد، والمساواة.

كما ترافق البعثات كوادر شرعية تقدم الإرشاد الفقهي للحجاج وتعينهم على أداء المناسك بصورة صحيحة وميسرة.

وهنا تتحول الرعاية الدينية إلى صورة من صور الوفاء لأبناء المؤسسة، وتلتقي العبادة بالتكريم، والتقدير بالخدمة.

*المناسبات الإسلامية.. الدين حاضر في الذاكرة العسكرية*

ولا يقتصر حضور الدين في الجيش العربي على الصلاة والدروس والمسابقات، بل يمتد إلى إحياء المناسبات الإسلامية واستحضار معانيها ودروسها.

فالمولد النبوي الشريف مناسبة لاستلهام قيم الرحمة والصدق والأمانة، والهجرة النبوية مدرسة في الصبر والتضحية والتخطيط، والإسراء والمعراج محطة لاستحضار الإيمان والثبات واليقين، فيما تشكل الأعياد والمناسبات الدينية مساحة لتعزيز الروابط الروحية والاجتماعية بين أبناء المؤسسة.

*الدين والاعتدال.. حصانة فكرية للجندي*

وفي عالم تتسارع فيه الأفكار وتتعدد فيه مصادر التأثير، أصبحت الرعاية الدينية داخل المؤسسة العسكرية تؤدي وظيفة تتجاوز التثقيف إلى التحصين الفكري.

فمواجهة التطرف لا تكون بالإجراءات الأمنية وحدها، وإنما تبدأ من بناء العقل وتقديم المعرفة الدينية الصحيحة.

ولهذا تعقد مديرية الإفتاء العسكري دورات متخصصة في مكافحة الفكر المتطرف والتحصين الفكري، إلى جانب برامج القرآن والعلوم الشرعية، بهدف تمكين الأئمة والمرشدين من أداء رسالتهم بكفاءة، وتعزيز قدرة منتسبي القوات المسلحة على مواجهة الأفكار المنحرفة بالحجة والعلم.

وهنا تبرز قيمة التجربة الأردنية في تقديم إسلام يقوم على الوسطية والاعتدال والرحمة والعدل واحترام الإنسان، بعيداً عن الغلو والتكفير والعنف.

*الجندي الإنسان.. الغاية الأسمى*

إن رعاية الدين الإسلامي في القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي ليست جانباً هامشياً أو ممارسة موسمية، وإنما هي منظومة راسخة أسهمت في بناء شخصية الجندي فكرياً وروحياً وأخلاقياً؛ فمن مديرية الإفتاء العسكري والمساجد المنتشرة في الوحدات والتشكيلات، إلى كلية الأمير الحسن للعلوم الإسلامية التي أسهمت في إعداد أئمة ومرشدين يجمعون بين التأهيل الشرعي والعسكري والمسلكي، ومن خريجي هذه المنظومة الذين رفدوا الحياة الدينية الأردنية بكفاءات شرعية، إلى مسابقات القرآن الكريم والحديث الشريف وبعثات الحج والعمرة وإحياء المناسبات الإسلامية، تتكامل الجهود لترسيخ العلم والاعتدال والوسطية والأمانة والانضباط والتضحية. وفي هذا التكامل تتجلى فلسفة الجيش العربي في بناء الجندي الإنسان؛ جندي يحمل السلاح دفاعاً عن وطنه، ويحمل في الوقت ذاته علماً يهدي عقله، وإيماناً يهذب ضميره، وقِيماً تضبط سلوكه، فيدرك أن القوة مسؤولية، وأن خدمة الوطن شرف وأمانة، وأن الشجاعة لا تنفصل عن الأخلاق. وهكذا يبقى الجيش العربي الأردني مؤسسة لا تحمي الأرض والحدود فحسب، بل تسهم أيضاً في بناء الإنسان وصيانة منظومة القيم، ليظل الإيمان والوطن والواجب معاني متكاملة في وجدان الجندي الأردني.

مدار الساعة ـ