أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

رفاعة الطهطاوي.. العلم طريق التغيير


الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق

رفاعة الطهطاوي.. العلم طريق التغيير

الدكتور زياد أبو لبن
الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
مدار الساعة ـ

نادَى الشيخ رفاعة الطهطاوي في وقت مبكر من العصر الحديث بتحرير المرأة من القيود التي كبلتها، ودعا إلى تعليم البنات، مدركًا أن نهضة المجتمع لا يمكن أن تكتمل إذا بقي نصفه خارج دائرة التعليم والمعرفة. وقد ارتبط اسمه مبكرًا بقضية تعليم المرأة، فأُلِّف كتابه التربوي "المرشد الأمين في تعليم البنات والبنين"، الذي مثّل رؤية متقدمة إلى التربية والتعليم، وإلى دور المرأة في بناء المجتمع.

ومن المفيد هنا التمييز تاريخيًا بين البدايات المختلفة لتعليم البنات في مصر؛ فقد افتُتحت مدرسة المولدات سنة 1832 في عهد محمد علي باشا، بينما افتُتحت أول مدرسة حكومية للبنات في عهد الخديوي إسماعيل سنة 1873. وفي الحالتين كان التحول جزءًا من مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة المصرية على أسس حديثة.

وبما أن محمد علي باشا كان من أبرز من أسسوا مقومات الدولة المصرية الحديثة، فقد عُدَّ رفاعة الطهطاوي واحدًا من أبرز رجالات مشروعها الثقافي والتعليمي. كان معلّمًا ومربيًا وصحفيًا ومترجمًا ومؤلفًا، وجمع في مشروعه بين التراث والحداثة، وبين الثقافة العربية الإسلامية والفكر الغربي الحديث. ولذلك يصح أن يُنظر إليه بوصفه واحدًا من رواد النهضة العربية الحديثة، وربما كان من أبرز من أدركوا مبكرًا أن العلم ليس ترفًا ثقافيًا، وإنما طريق إلى تغيير المجتمع وبناء الدولة.

لكن الطهطاوي لم يبدأ حياته من فضاء الحداثة؛ بل خرج من رحم الثقافة التقليدية التي كانت سائدة في ذلك العصر. حفظ القرآن الكريم، وتلقى مبادئ اللغة في الكتاتيب، ثم انتقل إلى الأزهر، حيث كانت الثقافة العلمية تعتمد بدرجة كبيرة على المتون والشروح والحواشي، في بيئة كان حضور العلوم الحديثة فيها محدودًا.

ولعل ما أورده الجبرتي عن الوالي التركي أحمد باشا، حين جاء إلى مصر في منتصف القرن الثامن عشر، يكشف جانبًا من طبيعة تلك البيئة الثقافية؛ إذ لم يجد، بحسب الرواية، من يحدثه في الرياضيات والحساب والعلوم الطبيعية، فقال قولته الشهيرة: "أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه". وبصرف النظر عن دقة العبارة في سياقها التاريخي، فإنها تكشف الفجوة التي كانت قائمة بين المعرفة النظرية التقليدية وبين العلوم التطبيقية التي كانت تتقدم في مناطق أخرى من العالم.

وفي الأزهر، بدأ الطهطاوي مدرسًا، لكنه لم يلبث أن أدرك أن العالم يتغير من حوله، وأن الأمة التي تريد أن تنهض لا تستطيع أن تعيش أسيرة علوم الماضي وحدها. وكان قد رأى آثار الحملة الفرنسية على مصر، ولاحظ ما حملته معها من أدوات علمية وتقنيات ومعارف جديدة، الأمر الذي أثار لديه أسئلة مبكرة حول أسباب تقدم الأوروبيين وتأخر مجتمعه.

ثم جاءت اللحظة الفاصلة في حياته عندما أوفده محمد علي باشا إلى فرنسا إمامًا ومرشدًا دينيًا لبعثة من الطلاب المصريين. وهناك لم يكن الطهطاوي مجرد مرافق ديني للبعثة، بل أصبح هو نفسه طالبًا في مدرسة الحداثة الأوروبية.

تعلم الفرنسية، وقرأ، واطلع على المؤلفات الفكرية والسياسية والعلمية، وتأمل نظم التعليم والإدارة والمجتمع، ورأى بأم عينه كيف تتحول المعرفة إلى قوة، والعلم إلى مؤسسات، والتعليم إلى وسيلة لبناء الدولة.

وهنا حدث التحول الكبير في شخصية الطهطاوي وفكره. لم يعد العلم عنده مجموعة من المعارف التي تُحفظ، وإنما أصبح أداة لتغيير الواقع. ولم تعد الحضارة في نظره أمرًا يمكن أن يتحقق بالأماني والخطب، بل ثمرة طبيعية للتعليم، والتنظيم، والعمل، والانفتاح على معارف الآخرين.

ومن هنا جاءت أهمية مشروعه؛ فهو لم يدعُ إلى نسخ الغرب، كما لم يدعُ إلى الانغلاق على التراث، وإنما حاول أن يصنع منطقة وسطى تلتقي فيها الأصالة بالمعاصرة.

لقد فهم الطهطاوي أن الأمة التي تنقطع عن تراثها تفقد ذاكرتها، والأمة التي تنغلق على تراثها تفقد قدرتها على الحركة. ولذلك كان مشروعه محاولة للخروج من الثنائية العقيمة: إما الماضي وإما الحاضر، ليقول عمليًا إن المستقبل يمكن أن يُبنى من الاثنين معًا.

وهذا المعنى يقترب مما عبّر عنه محمد عابد الجابري حين رأى أن الأصالة والمعاصرة لا تنفصلان، وأن تجديد العقل العربي وتحديث الفكر العربي لا يتحققان إلا بكسر قيود التقليد وقطع خيوط التبعية، وبممارسة النقد المستمر للذات وللآخر.

وهنا تكمن القيمة الكبرى لتجربة رفاعة الطهطاوي؛ فقد كان واعيًا بأن النهضة لا تعني أن نصبح غربًا، كما لا تعني أن نبقى أسرى للماضي. النهضة أن نمتلك القدرة على الاختيار، وأن نأخذ من تجارب الآخرين ما ينسجم مع حاجاتنا، وأن نعيد قراءة تراثنا بعين نقدية، لا بعين التقديس ولا بعين الرفض.

ومن هذه الزاوية تبدو دعوته إلى تعليم المرأة جزءًا طبيعيًا من مشروعه النهضوي. فالمرأة التي لا تتعلم لا تستطيع أن تؤدي دورها كاملًا في صناعة الأسرة والمجتمع، والمجتمع الذي يحرم المرأة من المعرفة يحرم نفسه من نصف طاقته الإنسانية.

ولذلك لم يكن دفاع الطهطاوي عن تعليم البنات قضية هامشية في مشروعه، بل كان جزءًا من رؤيته إلى بناء الإنسان الجديد. فالنهضة عنده تبدأ من الإنسان المتعلم، والرجل والمرأة في ذلك سواء.

لقد كان الطهطاوي واحدًا من أولئك الذين أدركوا أن التخلف ليس قدرًا، وأن الأمم لا تتقدم بالنسب والماضي وحدهما، وإنما بما تنتجه من علم، وما تبنيه من مؤسسات، وما تمنحه لأبنائها من فرص التعليم والمعرفة.

ولهذا بقيت تجربته حاضرة في تاريخ الفكر العربي الحديث؛ لأنه لم يكن مجرد مترجم نقل كتبًا من الفرنسية إلى العربية، ولا مجرد أزهري ذهب إلى باريس وعاد منها، وإنما كان جسرًا بين عالمين، حاول أن يعبر عليه المجتمع العربي من ثقافة تقليدية مغلقة إلى ثقافة أكثر انفتاحًا على العلم والعقل.

وإذا كان سؤال النهضة العربية لا يزال مطروحًا بعد كل هذه العقود، فإن العودة إلى الطهطاوي ليست عودة إلى الماضي من أجل تمجيده، وإنما عودة إلى لحظة تاريخية أدرك فيها رجل واحد أن العلم قادر على فتح الأبواب التي يعجز السيف والسياسة والشعارات عن فتحها.

وهذا هو الدرس الأهم في تجربة رفاعة الطهطاوي: أن التغيير الحقيقي يبدأ من تغيير العقل، وأن تحرير المجتمع يبدأ بتحرير الإنسان من الجهل، وأن بناء الدولة الحديثة لا يستقيم من دون تعليم حديث، وأن المرأة ليست هامشًا في مشروع النهضة، بل شريك أصيل فيه.

مدار الساعة ـ