أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة شهادة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

مزاج الأردنيين ومفارقاته


محمد ابو رمان

مزاج الأردنيين ومفارقاته

مدار الساعة (الدستور الأردنية) ـ

يكشف استطلاع الباروميتر العربي الأخير عن حالة لافتة في مزاج الأردنيين، وربما عن مفارقة تستحق أن تقرأ بهدوء بعيداً عن الأحكام الجاهزة؛ فمن جهة يمنح الأردنيون الحكومة الحالية ورئيسها علامات متقدمة مقارنة بما كان عليه الحال قبل عامين، ومن جهة أخرى ما يزال الاقتصاد يضغط بقوة على حياتهم وتفكيرهم، فيما تبقى الرغبة في الهجرة مرتفعة بصورة تدعو فعلاً إلى القلق.

تصل الثقة بالحكومة اليوم إلى 49 % مقارنة بـ39 % في أواخر 2023، أي بارتفاع عشر نقاط مئوية، وترتفع الثقة برئيس الوزراء إلى 49% أيضاً، بزيادة 11 نقطة عن الاستطلاع السابق، فيما يعبر 61% من الأردنيين عن رضاهم عن الأداء العام للحكومة مقارنة بـ45% في 2023؛ أي بزيادة كبيرة تصل إلى 16 نقطة مئوية.

هذه الأرقام، في تقديري، مهمة جداً، ليس فقط لأنها تمنح الحكومة الحالية تقييماً جيداً، بل لأنها تكشف شيئاً أعمق في طبيعة المزاج الأردني نفسه؛ فالأردنيون ليسوا عدميين، ولا تحكم علاقتهم بالحكومات سوداوية مزمنة كما يقال أحياناً، ولا يطلبون منها بالضرورة ما لا تستطيع القيام به، لكنهم يريدون أن يروا رئيساً وحكومة تقوم بما عليها، تحسن الخدمات، تسهل حياة الناس، وتظهر قدراً من الجدية والحضور في إدارة الشأن العام. لذلك يبدو مهماً أن نسب الرضا عن التعليم والرعاية الصحية وصلت إلى 66% و67%، وعن الكهرباء إلى 79%، وعن المياه إلى 69%.

يمكن القول هنا إن الاستطلاع الحالي يختلف عن استطلاعات سابقة كانت تتحدث عن «أزمة ثقة» متصاعدة بين الأردنيين والحكومات، بل إن الفجوة في بعض السنوات بدت أشبه بحفرة انهدام سياسية ونفسية بين الناس والمؤسسات. أما اليوم فهنالك تحول ملحوظ، وإن لم يكن كاملاً، يؤكد أن المواطن الأردني يميز بين أداء الحكومة وبين أوضاعه الاقتصادية، وبين الرضا عن الخدمات وبين القلق من المستقبل.

الاقتصاد، وما أدراك ما الاقتصاد، ما يزال القضية الكبرى التي تشغل الأردنيين وتضغط على تفكيرهم؛ إذ يرى 59% أن الوضع الاقتصادي هو التحدي الأهم الذي تواجهه البلاد، مقارنة بـ57% في 2023، فيما لا يزال 73% يصفون الوضع الاقتصادي بأنه سيئ. وعندما يسأل المواطن عن المشكلة الاقتصادية الأخطر، تأتي قلة فرص العمل أولاً بنسبة 38%، ثم انخفاض الأجور 23%، والتضخم 20%.

هنا تبدو المفارقة الكبرى؛ فرغم التحسن الواضح في النظرة إلى الحكومة وأدائها، فإن نسبة الراغبين في الهجرة ما تزال مرتفعة جداً: 44% من الأردنيين يفكرون في الهجرة، وترتفع النسبة بين الرجال إلى 56%، وبين الشباب من 18 إلى 29 عاماً إلى 53%، وبين الجامعيين إلى 51% مقارنة بـ40% لدى من يحملون الثانوية فما دون، والأهم أن 92% ممن يفكرون في الهجرة يقولون إن الأسباب الاقتصادية هي الدافع الرئيس وراء ذلك.

هذه نسبة مرعبة بحق، ليس فقط لأنها مرتفعة، بل لأنها تتكرر في استطلاعات الرأي إلى درجة أصبحت معها أقرب إلى نمط ثابت في التفكير لدى شريحة واسعة من الأردنيين، بخاصة الشباب والمتعلمين. ومن الطبيعي أن يكون جزء من ذلك مرتبطاً بمحدودية الموارد الاقتصادية، وبموقع الأردن إلى جوار دول الخليج التي توفر فرصاً ورواتب أفضل، وباتساع فجوة الفرص بين الداخل والخارج، بخاصة في ظل معدلات البطالة المرتفعة بين الشباب والمتعلمين.

لكن المفارقة الأخرى أن الأردن راهن تاريخياً على التعليم وعلى الطبقة المهنية الوسطى بوصفها ميزته الإقليمية الرئيسية. فالعامل الأردني في الخارج غالباً ليس عاملاً غير ماهر، بل طبيب أو مهندس أو أكاديمي أو إداري أو خبير، وهذه إحدى العلامات المسجلة للاقتصاد والمجتمع الأردنيين. من هذه الزاوية تبدو الهجرة مفهومة على مستوى الأفراد، لكنها خطرة على مستوى الدولة، لأنها تعني ببساطة أن الأردن يستثمر في التعليم والتأهيل ثم يرسل أفضل طاقاته لخدمة اقتصادات ومجتمعات أخرى.

لهذا ينبغي ألا نتعامل مع ملف الهجرة بوصفه مسألة اجتماعية عابرة، بل باعتباره تحدياً استراتيجياً وطنياً. المطلوب ليس أن نمنع الناس من السفر أو البحث عن فرص أفضل، فهذا غير واقعي ولا مطلوب، بل أن يصبح خلق الفرص الاقتصادية والمهنية في الداخل أولوية وطنية حقيقية، لأن استمرار نزيف الشباب والمتعلمين والمبدعين إلى الخارج يعني، على المدى البعيد، تجريفاً بطيئاً لأهم ما يملكه الأردن بالفعل: رأس ماله البشري.

مدار الساعة (الدستور الأردنية) ـ