مدار الساعة - سارة أبو حمدان - في العالم العربي، بليس حفل الزفاف مناسبة عائلية فحسب، إنما هي حدث اجتماعي كبير تتداخل فيه التقاليد مع الإنفاق على الضيافة والأزياء والمجوهرات. ومع تطور صناعة المناسبات وانتشار حفلات الزفاف الفاخرة، تحولت "ليلة العمر" إلى نشاط اقتصادي يمتد أثره إلى الفنادق والمطاعم وشركات تنظيم الفعاليات والتجزئة والنقل والتصوير، وغيرها الكثير من الخدمات.
خريطة الإنفاق العربي على حفلات الزفافتتفاوت ميزانيات الأعراس في الدول العربية بشكل ملحوظ، بناءً على مستوى دخل الفرد والقوة الشرائية لكل سوق. وتُظهر مؤشرات صادرة عن منصة Business Insider بشأن ترتيب الدول العربية من حيث متوسط تكلفة حفلات الزفاف، تفاوتاً كبيراً بين الأسواق.فبين دول مجلس التعاون الخليجي، تصدّرت دولة الإمارات العربية المتحدة الترتيب بمتوسط تكلفة يصل إلى 120 ألف دولار للزفاف الواحد، تليها المملكة العربية السعودية بـ 100 ألف دولار، ثم قطر بـ 90 ألفاً، فالكويت بـ 75 ألفاً، بينما سجلت البحرين متوسط 35 ألف دولار، وسلطنة عُمان 25 ألفاً. وتستحوذ قاعات الاحتفالات الفاخرة، خدمات المأكولات، والضيافة المبتكرة على النسبة الأكبر من هذه الميزانيات، لتشكل حجماً استثمارياً بارزاً في قطاع الفعاليات الفندقية.في المشرق العربي ومغربه، حلّ لبنان خامساً بمتوسط تكلفة 50 ألف دولار، مستفيداً من مكانته مركزاً للخبرات الإبداعية في تنظيم الحفلات ومقصداً لأعراس المغتربين. في المقابل، سجلت مصر متوسط 25 ألف دولار، وكل من المغرب والأردن 20 ألف دولار. وهذه مبالغ تشكل ضغطاً استهلاكياً كبيراً على أصحاب الدخل المتوسط، مقارنة بمستويات الأجور.أين تذهب أموال الأعراس؟لا تذهب ميزانية الزفاف إلى القاعة والطعام فقط، بل تتوزع على سلسلة واسعة من القطاعات، تشمل تنظيم الفعاليات والديكور والزهور والتصوير والفيديو والأزياء والنقل والترفيه والمجوهرات، ما يجعل الإنفاق على الزواج محركاً للطلب في مجموعة من الأنشطة الاقتصادية. في تفصيل تقريبي لعرس يضم 150 مدعواً في لبنان في 2026:التكلفة التقريبية لاستئجار المكان: بين 7,000 و30,000 دولارتكلفة الطعام 60 إلى 120 دولاراً للشخص: 9,000 إلى 18,000 دولارتكلفة المشروبات والكحول 6 دولارات إلى 20 دولاراً للشخص: 900 إلى 3,000 دولارتكلفة تصوير العرس: 2,000 إلى 6,000 دولارتكلفة الـ DJ في الحفل: 800 إلى 5,000 دولارتكلفة فستان العروسالجاهز: 800 إلى 2,500 دولارفستان من Atelier محلي: 2,500 إلى 6,000 دولاراستئجار فستان العروس يبدأ من 1,200 دولارتكلفة مزين الشعر والماكياج للعروس: 900 إلى 1,200 دولارثمن البزة الرسمية للعريس: 500 إلى 2,000 دولارتكلفة الزفّة: 500 إلى 3,000 دولارتكلفة تنسيق الورد لكل طاولة: بين 50 و350 دولاراًثمن قالب الحلوى: يبدأ من 200 دولارتكلفة استئجار سيارة العروسين: تبدأ من 300 دولار وفي الإمارات، بلغ الطلب على المجوهرات الذهبية 29.4 طناً خلال عام 2025، بانخفاض 15% عن العام السابق، وفق بيانات مجلس الذهب العالمي. ولا يمثل هذا الرقم مشتريات الأعراس تحديداً، لكنه يعطي مؤشراً على حجم سوق المجوهرات الذي يرتبط، من بين مناسبات أخرى، بالزواج والاحتفالات، ويكشف كيف يمتد إنفاق "ليلة العمر" إلى قطاع التجزئة وسلاسل التوريد المرتبطة به.الإمارات.. سوق زفاف يتجاوز المناسبةتقدم دبي نموذجاً واضحاً لكيفية دمج حفلات الزفاف ضمن اقتصاد أوسع للفعاليات والضيافة. ووفق البيانات الرسمية الصادرة عن مركز دبي التجاري العالمي (DWTC)، ولّدت الفعاليات الكبرى التي استضافها المركز خلال عام 2025 ناتجاً اقتصادياً قياسياً بلغ 25.03 مليار درهم (6.82 مليارات دولار)، بنمو قدره 12% مقارنة بعام 2024. وشمل ذلك قيمة مضافة إجمالية بلغت14.66 مليار درهم (3.99 مليارات دولار) صُبّت مباشرة في الناتج المحلي الإجمالي لإمارة دبي. كما استقطبت الفعاليات الكبرى نحو 2.18 مليون مشارك، من بينهم نحو 947 ألف زائر دولي.ونقل مكتب دبي الإعلامي عن DWTC Hospitality أن حفلات الزفاف استقبلت 56,554 ضيفاً خلال 2025، ضمن أكثر من 600 ألف ضيف للفعاليات المؤسسية والخاصة، ما يعكس حضور قطاع الأعراس ضمن منظومة الضيافة والفعاليات في الإمارة.وتدعم دبي هذا الاتجاه من خلال بناء منظومة متخصصة لسياحة الأعراس. ففي النسخة الثانية من Dubai Wedding Symposium في 2025، شارك أكثر من 100 من منظمي حفلات الزفاف والمتخصصين من 37 دولة، إلى جانب 25 منشأة ضيافة و40 مورداً متخصصاً، في مؤشر على اتساع شبكة الأعمال والخدمات المرتبطة بهذا القطاع.الزفاف الوافد يضيف إنفاقاً سياحياًتزداد القيمة الاقتصادية عندما يأتي الزفاف من خارج الدولة، لأن الإنفاق لا يقتصر على المناسبة نفسها، بل يمتد إلى تذاكر السفر والإقامة والمطاعم والتنقل والتسوق والترفيه. وتبرز دبي هنا بوضوح، إذ استقبلت 19.59 مليون زائر دولي خلال 2025، بزيادة 5% عن عام 2024، مسجلة عاماً قياسياً ثالثاً على التوالي للسياحة في الإمارة بحسب دائرة الاقتصاد والسياحة بدبيوبالنسبة لسوق الأعراس، يعني استقطاب حفلات دولية خلق طلب إضافي على الفنادق والمطاعم والنقل والفعاليات والتجزئة، خصوصاً عندما تضم المناسبة عشرات أو مئات الضيوف القادمين من الخارج. وبالتالي، تستفيد الدولة ليس فقط من قيمة الحفل، بل من النشاط الاقتصادي الذي يولده حضور الضيوف وإقامتهم وإنفاقهم خلال الرحلة. الأعراس الجماعية: نموذج مختلف لتكلفة زواج مخفضةفي مقابل الأعراس الفاخرة مرتفعة الكلفة، تمثل الأعراس الجماعية نموذجاً اقتصادياً واجتماعياً مختلفاً في العالم العربي. والفكرة هنا ليست إقامة زفاف «بلا كلفة»، بل تجميع النفقات وتحويل جزء كبير منها من العروسين إلى جهات حكومية أو خيرية أو مؤسسات راعية، بما يخفف كلفة القاعات والضيافة والتجهيزات والهدايا وغيرها.في أبوظبي، شهدت الإمارة في أيار/مايو 2026 عرساً جماعياً نظمته مؤسسة خليفة الإنسانية في مجلس مدينة شخبوط، بمشاركة 619 عريساً إماراتياً من مختلف إمارات الدولة. كما شهدت مدينة العين في شباط/فبراير 2026 عرساً جماعياً آخر بمشاركة 375 عريساً. ولم تعلن مؤسسة خليفة الإنسانية أو مكتب أبوظبي الإعلامي قيمة مالية إجمالية للحفلين، لذلك لا تتوافر كلفة موثقة يمكن نسبها إليهما، رغم تأكيد الجهة المنظمة أن الهدف الأساسي هو خفض الأعباء المالية للزواج.أما في دبي، فقد شهدت الإمارة في شباط/فبراير 2026 العرس الجماعي الثاني عشر لموظفي إقامة دبي وجمارك دبي، بمشاركة 127 عريساً، من دون إعلان الكلفة الإجمالية للحفل. لكن الصورة المالية تتضح أكثر من خلال مبادرة «أعراس دبي»، إذ تتحمل المبادرة كامل تكاليف حفل الزفاف الرئيسي للمستفيدين، مع توفير القاعات ومجالس الأحياء مجاناً.وتكشف الاستثمارات المرافقة حجم الإنفاق المخصص لخفض كلفة الزواج: ففي 2026 تقرر إنشاء قاعة أفراح في العوير بقيمة 40 مليون درهم (نحو 10.9 ملايين دولار)، إضافة إلى قاعة مناسبات خارجية في حديقة مشرف بقيمة 23 مليون درهم (نحو 6.3 ملايين دولار)، أي 63 مليون درهم (نحو 17.2 مليون دولار) في منشآت مخصصة أو مرتبطة مباشرة بإقامة المناسبات. وحتى آب/أغسطس 2026، بلغ إجمالي حفلات الزفاف المنفذة ضمن «أعراس دبي» 2,898 حفلاً، وأسهم البرنامج في تأسيس 1,411 أسرة إماراتية. وهذا الرقم يشمل إجمالي حفلات المبادرة، وليس الأعراس الجماعية تحديداً.في السعودية، تظهر الأرقام بصورة أكثر وضوحاً. فقد شهدت الأحساء في أيلول/سبتمبر 2025 الزواج الجماعي ضمن برنامج «تيسير 2025» بمشاركة 200 شاب وفتاة. وبلغت القيمة الإجمالية لتنفيذ البرنامج مليوني ريال سعودي (نحو 533 ألف دولار)، بما يشمل مساعدات مادية وعينية وتأهيلية؛ أي ما يعادل حسابياً نحو 10 آلاف ريال (نحو 2,665 دولاراً) لكل مستفيد، أو 20 ألف ريال (نحو 5,329 دولاراً) لكل زوجين إذا احتُسب المشاركون على أساس 100 زوج وزوجة.والأهم أن جمعية تيسير الزواج في الأحساء تقدر أن المشاركة في الأعراس الجماعية تستطيع تقليص تكاليف الزواج على المشاركين بنحو 30 إلى 40%، نتيجة توفير القاعات والتصوير والضيافة والهدايا ضمن حزمة واحدة. وبلغت تكاليف التنظيم والدعم المباشر والتأهيل لنحو 2,000 عريس وعروس عبر 15 نسخة سابقة أكثر من 10 ملايين ريال (نحو 2.66 مليون دولار).أما في مصر، فأطلقت وزارة التضامن الاجتماعي في حزيران/يونيو 2026 النسخة الثانية من مبادرة «فرحة مصر»، مستهدفة 8,000 عريس وعروس من الأسر الأولى بالرعاية. ولم تعلن الوزارة حتى الآن ميزانية مالية إجمالية للنسخة الثانية، لكن بيانات المرحلة الأولى تكشف طبيعة الدعم: أجهزة كهربائية أساسية ومفروشات ومستلزمات منزلية، إضافة إلى قسيمة بقيمة 10 آلاف جنيه مصري (نحو 196 دولاراً) ضمن حزمة الدعم لبعض المستفيدين. كما حصلت كل عروس في النسخة الأولى على ثلاث قسائم دعم مؤمّنة يمكن استبدالها عبر 122 منفذاً، من دون إعلان القيمة الإجمالية الكاملة لكل حزمة.وتكشف هذه الأرقام عن وجه مختلف تماماً لاقتصاد الأعراس في العالم العربي. فإلى جانب حفلات الزفاف الفاخرة التي تدفع الإنفاق على الفنادق والأزياء والمجوهرات والضيافة، تنمو منظومة أخرى هدفها خفض «كلفة الدخول إلى الزواج». وفي بعض التجارب، كما في الأحساء، يصل الوفر إلى 40% تقريباً؛ وفي دبي تنتقل كلفة الحفل الرئيسي بالكامل تقريباً إلى البرنامج الداعم. وهكذا تتحول الأعراس الجماعية من مجرد مناسبة اجتماعية إلى أداة اقتصادية لتقليل ديون الزواج وتسريع تكوين الأسر.











