أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

ترامب لعبها بذكاء خمسة آلاف دولار مقابل فوز الجمهوريين، وعد انتخابي وليس شراءً للأصوات


المحامي هيثم عريفج

ترامب لعبها بذكاء خمسة آلاف دولار مقابل فوز الجمهوريين، وعد انتخابي وليس شراءً للأصوات

مدار الساعة ـ

قد يخلط الوعد الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدفع خمسة آلاف دولار لكل مواطن أمريكي بالغ إذا فاز الجمهوريون بمجلسي النواب والشيوخ المفاهيم القانونية في ذهن المواطن أو المتلقي، ويدفعه إلى الاعتقاد، للوهلة الأولى، بأننا أمام صورة صريحة من صور شراء الأصوات: حزب يفوز، والناخب يحصل على المال. لكن التدقيق في القانون الفيدرالي الأمريكي يقود إلى نتيجة مختلفة وأكثر دقة. ترامب لعبها بذكاء ، فقد اقترب سياسيًا من الخط الفاصل بين الوعد الانتخابي والحافز المالي المباشر، لكنه صاغ وعده بطريقة تجعل اعتباره، في صورته الحالية، جريمة شراء أصوات أمرًا قانونيًا بالغ الصعوبة.

القانون المعني هنا هو العنوان 18 من مجموعة قوانين الولايات المتحدة الأمريكية (Title 18 of the United States Code) ، الذي يتناول الجرائم والإجراءات الجنائية الفيدرالية، وتحديدًا الفصل 29 المتعلق بالانتخابات والأنشطة السياسية . وتنص المادة 597، المعنونة «الإنفاق للتأثير في التصويت» ، على تجريم تقديم أو عرض إنفاق لشخص مقابل أن يصوّت أو يمتنع عن التصويت أو يصوّت لصالح أو ضد مرشح معين. كما تجرّم قبول الناخب مثل هذا المقابل لقاء صوته. وتصل العقوبة إلى الحبس سنة، أو سنتين إذا كانت المخالفة عمدية. وبعبارة يفهمها القارئ غير القانوني: الجريمة تقوم عندما تصبح المعادلة **«أعطيك المال مقابل صوتك»**.

لكن ترامب لم يقل ذلك. لم يقل للأمريكي: «صوّت للجمهوريين وسأعطيك خمسة آلاف دولار» ، ولم يشترط للحصول على المبلغ أن يثبت المواطن أنه صوّت للجمهوريين. ما قاله هو إنه إذا فاز الجمهوريون بمجلس النواب ومجلس الشيوخ فسيصدر «عائدًا» بقيمة خمسة آلاف دولار لكل مواطن بالغ. والفارق القانوني هنا جوهري ، فالناخب الذي يصوّت للديمقراطيين سيستفيد، من حيث المبدأ، من البرنامج نفسه إذا فاز الجمهوريون. وبالتالي لا توجد المقايضة الفردية المباشرة بين الصوت والمال التي تستهدفها المادة 597.

قد يبدو للوهلة الأولى أن المادة 600 من العنوان 18 تقود إلى نتيجة مختلفة. فهذه المادة، وعنوانها «الوعد بوظيفة أو منفعة أخرى مقابل نشاط سياسي» ، تحظر الوعد بوظيفة أو منصب أو تعويض أو عقد أو تعيين أو «أي منفعة أخرى» تكون متاحة كليًا أو جزئيًا بموجب قانون صادر عن الكونغرس، إذا كان ذلك مقابل نشاط سياسي أو دعم أو معارضة مرشح أو حزب سياسي. وهذا النص أوسع من المادة 597، ولذلك فإن مبلغ خمسة آلاف دولار وربطه بفوز الجمهوريين يثيران بلا شك سؤالًا قانونيًا مشروعًا حول حدود هذه المادة.

لكن هنا أيضًا تظهر براعة صياغة ترامب السياسية والقانونية. فالوعد لم يُقدَّم كمكافأة لمن يدعم الحزب الجمهوري ، وإنما كبرنامج عام سيطبق إذا امتلك الجمهوريون الأغلبية السياسية اللازمة لإقراره. وهذه ليست مسألة لغوية بسيطة؛ إنها الفاصل بين الجريمة والسياسة. فالحزب الذي يقول: «إذا انتخبتمونا سنخفض ضريبة الدخل»، أو «سنرفع المعاشات»، أو «سنقدم إعانة مالية للأسر»، لا يشتري أصوات الناخبين، بل يعرض عليهم برنامجًا سياسيًا واقتصاديًا، حتى لو كان يعلم أن المنفعة المالية ستدفعهم إلى التصويت له.

وهنا تحديدًا لعبها بذكاء . فقد نقل الرسالة الانتخابية التقليدية من عالم الأرقام الاقتصادية المعقدة إلى أبسط صورة يمكن أن تصل إلى الناخب: - إذا فاز الجمهوريون، تحصل على خمسة آلاف دولار- سياسيًا، الرسالة شديدة القوة، لكنها قانونيًا بقيت، حتى الآن، في إطار الوعد ببرنامج عام وليس في إطار دفع مقابل لصوت محدد. وقد أكد ترامب أن المبلغ المقترح سيكون لكل مواطن بالغ، وربطه بفوز الجمهوريين بالمجلسين، دون أن يعلن شرطًا يتعلق بكيفية تصويت الفرد نفسه.

بل إن القانون نفسه يساعد على فهم الفارق. فالمادة 597 لا تجرّم مجرد وجود منفعة مالية مرتبطة ببرنامج انتخابي؛ وإنما تتحدث عن تقديم الإنفاق للشخص - مقابل تصويته أو امتناعه عن التصويت أو تصويته مع أو ضد مرشح -. أما المادة 600 فتتطلب بدورها أن تكون المنفعة بمثابة مقابل أو تفضيل أو مكافأة عن نشاط سياسي أو دعم أو معارضة مرشح أو حزب . وهذه العناصر النصية مهمة ، لأن البرنامج العام الذي يشمل المؤيد والمعارض لا يساوي تلقائيًا مكافأة فردية على الولاء السياسي.

الأمثلة كثيرة في الحياة السياسية الأمريكية. الأحزاب تعد بتخفيض الضرائب، وزيادة المساعدات، والإعفاء من ديون معينة، ورفع الإنفاق الاجتماعي، بل إن الولايات المتحدة شهدت بالفعل دفعات نقدية واسعة للمواطنين خلال جائحة كورونا بعد إقرارها من الكونغرس. الفارق ليس في كون الناخب **سيحصل على مال**، وإنما في السبب القانوني الذي سيحصل بموجبه عليه: هل يحصل عليه لأنه صوّت للحزب، أم لأنه أصبح مستحقًا بموجب قانون عام أقرته السلطة المنتخبة؟ وهذه هي النقطة التي تفصل الرشوة الانتخابية عن السياسة العامة.

ومع ذلك، لا يستطيع ترامب أن يكتب ببساطة شيكات بخمسة آلاف دولار بعد الانتخابات. فتنفيذ برنامج بهذا الحجم، الذي قد تتجاوز تكلفته تريليون دولار ، يحتاج إلى أساس قانوني وتمويل وموافقة الكونغرس ، ولم يقدم ترامب عند إطلاق الوعد تفاصيل عن آلية التنفيذ أو مصدر التمويل. وهذا بدوره يعزز وصفه، في المرحلة الحالية، بأنه وعد انتخابي ببرنامج مستقبلي وليس عرضًا ماليًا نافذًا بين ترامب والناخب.

لكن الخط القانوني الذي يسير عليه ترامب دقيق للغاية. فإذا تحولت الرسالة لاحقًا من «إذا فاز الجمهوريون سيحصل المواطنون على خمسة آلاف دولار» إلى «صوّتوا للجمهوريين لتحصلوا على خمسة آلاف دولار» ، أو أصبح استحقاق المبلغ مرتبطًا بإثبات الدعم السياسي أو التصويت للحزب، فسيتغير التكييف القانوني جذريًا، وقد نقترب عندها بصورة حقيقية من نطاق التجريم الذي تستهدفه المادتان 597 و600.

إذن، خمسة آلاف دولار مقابل فوز الجمهوريين ليست، وفق المعطيات الحالية، شراءً مباشرًا للأصوات؛ إنها وعد انتخابي شديد الذكاء والجرأة، صيغ بعناية عند حافة الخط القانوني دون أن يتجاوزه بوضوح. ترامب لم يشترِ صوت الناخب، بل وضع أمامه منفعة اقتصادية ضخمة وقال له، سياسيًا: هذه هي إحدى النتائج التي ستحصل عليها أمريكا إذا منحتم الجمهوريين القدرة على الحكم.

وهنا تكمن قوة الخطوة وخطورتها معًا. ترامب لعبها بذكاء : جعل الناخب يفكر في ورقة الاقتراع وفي جيبه في اللحظة ذاتها، لكنه أبقى بين الاثنين مسافة قانونية صغيرة وحاسمة. وربما يكون السؤال الأهم بعد ذلك ليس ما إذا كان ترامب قد اشترى الأصوات، بل كم صوتًا سيشتريه الوعد سياسيًا من دون أن يكون شراءً للأصوات قانونيًا؟

مدار الساعة ـ