أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

نختار التخصص.. بعين المجتمع أم بصوت الموهبة؟


أ.د. نورس شطناوي

نختار التخصص.. بعين المجتمع أم بصوت الموهبة؟

مدار الساعة ـ

بعد ما تمَ نشره أمس عن زيادة أعداد القبول في الطب وطب الأسنان، يبرز سؤال وطني أوسع يتعلق بالطريقة التي نخطط بها للتعليم والمهن. فالمقعد الجامعي بداية لمسار يحتاج إلى تدريس جيد، وتدريب نوعي، وفرصة لاكتساب الكفاءة، ثم قدرة على ممارسة العمل. ولذلك، فإن أي توسع في القبول يستحق أن يُقرأ ضمن هذه السلسلة كاملة، وأن تتوافر له متطلبات الجودة في كل مرحلة.

ومن واقع عملي الأكاديمي، أرى أن أحد أهم واجبات الجامعة يبدأ قبل دخول الطالب إليها: مساعدته على فهم الاختيار الذي سيقضي سنوات في بنائه. فالمعدل يقيس جانباً من التحصيل ضمن ظروف معينة، لكنه لا يكشف وحده ميول الطالب، ولا جميع قدراته، ولا استعداده لممارسة مهنة بعينها. وهذه جوانب تحتاج إلى إرشاد وتجربة وحوار، وإلى معلومات تتجاوز اسم التخصص وصورته الاجتماعية.

وفي المقابل، تستحق مخاوف الأسرة أن تؤخذ بجدية. فهي تدفع من مدخراتها، وتبحث لأبنائها عن الاستقرار والكرامة، وقد تلجأ إلى المهن المألوفة لأنها تبدو أوضح طريقاً. ومن ثم، فإن تطوير ثقافة الاختيار يتطلب أن نقدم للأسرة بدائل موثوقة، وأن نشرح ما يتعلمه الطالب فعلياً، وأين يمكن أن يعمل، وما المهارات الإضافية التي يحتاج إليها. فالطمأنينة تحتاج إلى معرفة تستطيع الأسرة أن تبني عليها قرارها.

وهنا يبرز دور الدولة والجامعات والقطاع الخاص في إعداد صورة وطنية متجددة لاحتياجات المهارات. فالمشروعات في المياه والطاقة والنقل والصناعة والصحة والتحول الرقمي تحتاج إلى تخصصات متعددة تتكامل فيما بينها. ويقتضي التخطيط أن نسأل عن نوع الكفاءات المطلوبة، وأعدادها التقريبية، وتوقيت الحاجة إليها، مع مراجعة التقديرات دورياً؛ لأن سوق العمل يتغير، والتنبؤ بمستقبله يحمل دائماً قدراً من عدم اليقين.

ولذلك، أقترح أن تكون لكل برنامج جامعي بطاقة معلومات معلنة ومفهومة، تبين طبيعة الدراسة وكلفتها، وفرص التدريب، ومتطلبات ممارسة المهنة، ومسارات الخريجين. وحيث تتوافر بيانات التشغيل، يجب أن تُنشر مع سنة التخرج وحجم العينة وطريقة جمعها، حتى يستطيع الطالب تفسيرها بصورة صحيحة. أما حين تغيب البيانات، فتبدأ المسؤولية ببنائها وتتبع الخريجين، لتصبح قرارات القبول والتطوير أكثر اتصالاً بالواقع.

وبالتوازي، نحتاج إلى إرشاد مهني يبدأ في المدرسة، ويتيح للطلبة زيارة مواقع العمل، وتجربة مشروعات قصيرة، والتحدث مع ممارسين عن تفاصيل يومهم المهني. فقد يحب الطالب اسم المهنة، ثم يكتشف أن طبيعة عملها لا تناسبه؛ وقد يجد موهبته في مجال لم يسمع عنه من قبل. كما أن إتاحة انتقال مدروس بين المسارات، وفق ضوابط أكاديمية واضحة، تساعد على تصحيح الاختيار مبكراً.

وعلاوة على ذلك، ينبغي أن تتسع نظرتنا للنجاح لتشمل التعليم التقني والمهني والمهن الإبداعية والبحثية. وفي هذا السياق، تبرز رؤية سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، لتمكين الشباب بالمعرفة والمهارات، واهتمامه بالتعليم التقني والمهني بوصفه طريقاً للمشاركة الاقتصادية وبناء المستقبل. من هذه الرؤية نستطيع أن ننطلق لتوسيع آفاق الاختيار أمام طلبتنا، وتعزيز التكامل بين التأهيل التقني والعمل الإبداعي والبحث التطبيقي؛ بحيث تجد الموهبة أدواتها، ويجد البحث مجالاً للتجربة، وتتحول الفكرة إلى منتج أو خدمة. وترجمة هذا التوجه تقتضي إرشاداً مبكراً، وشراكات تدريب جادة، ومسارات مهنية واضحة تمنح الشباب وأسرهم الثقة بأن الإتقان والإبداع يفتحان أبواباً متعددة للنجاح.

إن مسؤوليتنا تجاه الجيل المقبل هي أن نمنحه فرصة الاختيار الواعي، وأن نوفر تعليماً يستحق ثقته وتضحيات أسرته. فحين تجلس الأسرة الأردنية أمام شاشة القبول، ينبغي أن تجد ما يساعدها على رؤية الطريق بعد المقعد. فالمستقبل الذي نريده للوطن يبدأ حين نسمع صوت الطالب، ونصقل قدرته، ونفتح أمامه مجالاً ليصبح ما يستطيع أن يقدمه، لا مجرد الاسم الذي اعتدنا أن نصفق له.

مدار الساعة ـ