أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الزراعة الحضرية في عمان: فرصة بيئية وتنموية قابلة للتمويل الأخضر


فوزي مسعد
خبير ادارة المدن

الزراعة الحضرية في عمان: فرصة بيئية وتنموية قابلة للتمويل الأخضر

فوزي مسعد
فوزي مسعد
خبير ادارة المدن
مدار الساعة ـ

تعاني أجزاء واسعة من عمان، وخصوصا مناطق عمان القديمة ووسط المدينة، من ضعف واضح في جودة المشهد الحضري نتيجة الأسطح المهملة، والفراغات غير المستغلة، والأراضي البيضاء، وبعض المواقع التي تحولت إلى مكاره صحية وتشوه بصري. وهذه المشكلة تبدو أكثر وضوحا في مدينة ذات طبيعة جبلية مثل عمان، حيث تظهر الأسطح والفراغات من مسافات بعيدة ومن مستويات مرتفعة. ومع وجود مشاريع مقترحة مثل التلفريك، سيصبح المشهد العلوي للمدينة أكثر حضورا، لكن القضية أوسع من ذلك؛ فهي تتعلق أساسا بجودة التجربة البصرية اليومية للمدينة.

من هنا يمكن أن تشكل الزراعة الحضرية أداة عملية لتحسين صورة عمان وبيئتها في الوقت نفسه. فاستغلال الأسطح، والفراغات بين الأبنية، والساحات الصغيرة والأراضي البيضاء في الزراعة والأشجار والشجيرات والحدائق المجتمعية يمكن أن يحول مساحات مهملة إلى عناصر خضراء منتجة، من دون الحاجة إلى مشاريع إنشائية ضخمة.

والفائدة لا تقتصر على الجانب الجمالي. زيادة المساحات المزروعة تسهم في تقليل الأسطح الصلبة غير المنفذة للمياه، واحتجاز جزء من مياه الأمطار وتأخير جريانها إلى الشوارع. ويمكن ربط ذلك ببرنامج بسيط للحصاد المائي، من خلال تجميع مياه أسطح المباني في خزانات فايبر جلاس قليلة الكلفة وبأحجام مناسبة، واستعمال المياه المخزنة للري خلال الربيع والصيف. وبذلك تتحول مياه المطر من مشكلة موسمية إلى مورد يمكن الاستفادة منه.

كما يمكن للزراعة الحضرية أن تحمل بعدا اقتصاديا واجتماعيا من خلال الحدائق المجتمعية، والمشاتل الصغيرة، وزراعة الخضراوات والأعشاب والنباتات العطرية، بما يفتح فرصا لمشروعات أسرية وشبابية صغيرة ويدعم، ولو جزئيا، الأمن الغذائي المحلي.

أما الأراضي البيضاء والقطع غير المطورة داخل النسيج الحضري، فكثير منها يبقى سنوات دون استعمال ويصبح مصدرا للنفايات والتشوه. ويمكن تطوير آلية تسمح باستخدامها المؤقت للزراعة أو الحدائق المجتمعية والمشاتل، بالتعاون مع أصحابها، او من خلال توفير الية تسمح باستغلالها إلى حين تطويرها مستقبلا.

هذا التوجه يكتسب أهمية إضافية في ضوء ما أكده جلالة الملك عبدالله الثاني مؤخرا حول التمويل المناخي والأخضر. ففي 7 أيلول 2026 وجّه جلالته الحكومة إلى وضع استراتيجية وطنية متكاملة وموحدة للتمويل المناخي بالتعاون مع القطاع الخاص، وأكد أهمية توفير الدعم الفني لتمكين القطاعين العام والخاص من الاستفادة من مصادر التمويل المناخي المتاحة، وربط ذلك بالأهداف البيئية والتنمية المستدامة.

وهذا يفتح فرصة حقيقية للنظر إلى مشروع الزراعة الحضرية في عمان ليس باعتباره مشروع تجميل بل باعتباره مشروعا أخضر متكاملا يجمع إدارة مياه الأمطار، والحصاد المائي، وزيادة الغطاء الأخضر، والتكيف مع الحرارة، وتحسين البيئة الحضرية، والأمن الغذائي، والتنمية المجتمعية. مثل هذا التجميع للمنافع يجعله أقرب إلى طبيعة المشاريع التي يمكن أن تستقطب التمويل المناخي والبيئي الدولي.

وقد أشار الطرح الرسمي حول التمويل المناخي إلى أهمية الانتقال من تمويل مشاريع منفردة إلى منظومة وطنية قادرة على استقطاب التمويل وتوجيهه نحو المشاريع ذات الأثر الاقتصادي والبيئي والمجتمعي. وهذا بالضبط ما يمكن تطبيقه على برنامج للزراعة الحضرية في عمان.

مع ضرورة الاستفادة من التجارب السابقة التي قامت بها امانة عمان قبل عقدين من الزمن.

لذلك يمكن لأمانة عمان والبلديات، بالتعاون مع وزارة البيئة ووزارة التخطيط والتعاون الدولي، إعداد برنامج Urban Greening & Water Harvesting for Amman، وايجاد شراكات وتمويل من الصناديق المناخية والمنظمات الدولية والجهات التنموية والبيئية.

ويمكن أن يبدأ البرنامج بمناطق تجريبية في وسط البلد وعمان القديمة وجبل عمان واللويبدة والأشرفية، تشمل الأسطح، والأراضي البيضاء، والفراغات العامة، والحصاد المائي، ثم يتم تقييم النتائج والتوسع تدريجيا.

الفكرة الأساسية هي أن كل سطح أو فراغ مهمل يمكن أن يصبح أصلا بيئيا للمدينة: يحسن المشهد، ويستوعب جزءا من مياه المطر، ويخزن المياه، ويخفض الحرارة، وينتج الغذاء، ويخلق نشاطا اقتصاديا صغيرا. وإذا تم تقديم هذا البرنامج ضمن إطار التمويل الأخضر الذي دعا إليه جلالة الملك، فقد تتحول مبادرة حضرية بسيطة نسبيا إلى برنامج قابل لاستقطاب دعم وتمويل دولي، وله أثر ملموس وسريع.

مدار الساعة ـ