أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حين يكون الوطن في مواجهة الخطر.. لا يتسع الموقف للاختلاف


عبدالرحمن عقله ابودلبوح

حين يكون الوطن في مواجهة الخطر.. لا يتسع الموقف للاختلاف

مدار الساعة ـ

شهدت الدولة الأردنية، عبر مسيرتها، تحدياتٍ جسامًا وظروفًا إقليميةً بالغة التعقيد، استطاعت أن تواجهها بثوابتها الوطنية الراسخة، المستمدة من الدستور، وفي مقدمتها وحدتها الوطنية، ووعي شعبها، وحكمة قيادتها الهاشمية التي تنطلق في قراراتها من المصالح الوطنية العليا، بما يعزز قوة الدولة، ويحفظ أمنها واستقرارها، ويصون سيادتها وحدودها.

وقدَرُ الأردن أن يعيش في محيط إقليمي مضطرب، تتسارع فيه الأحداث وتتبدل فيه موازين القوى، الأمر الذي يفرض عليه الدوامة الدائمة من اليقظة والحذر، وقراءة ما يجري من حوله بوعيٍ عميق، وتقديرٍ دقيق لما قد تفضي إليه الصراعات الإقليمية من تداعيات تمس أمنه الوطني واستقراره. ومن هنا، انتهج الأردن سياسةً متزنةً ومعتدلة، تقوم على الحكمة وحماية المصالح الوطنية، وتجنّب الانخراط في الصراعات التي قد تنعكس آثارها على أمنه ومصالحه ومستقبل أجياله.

غير أن ما تشهده المنطقة من تصاعدٍ خطير في الصراع، وفي مقدّمته الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بات ينذر بتوسّع دائرة المواجهة وامتداد تداعياتها إلى الإقليم بأسره، في ظل سياسات وأهداف تتجاوز حدود الصراع المباشر، ولا تنفصل آثارها عن أمن الدول العربية واستقرارها، وفي مقدمتها الأردن.

وفي هذا السياق، لا بد من التوقف بوعي ومسؤولية أمام ما يمكن أن يمس أمننا الوطني. فالسياسات الإيرانية، وما يصاحبها من محاولات لفرض النفوذ والهيمنة في المنطقة، تسهم في تعقيد المشهد وزيادة احتمالات اتساع دائرة الحرب، وقد تجلّى ذلك في الاعتداءات الإيرانية على الأراضي الأردنية، وهي اعتداءات مدانة ومرفوضة، ولا يمكن تبريرها بأي حال من الأحوال؛ لأنها تمثل مساسًا صارخًا بسيادة الأردن وأمنه وسلامة مواطنيه.

وفي المقابل، يظل الخطر الآخر ماثلًا في السياسات الإسرائيلية وممارسات الاحتلال في الضفة الغربية، وما يرافقها من توسع استيطاني ومحاولات لتغيير الواقع على الأرض، بما يهدد بإعادة رسم المشهد الجغرافي والديموغرافي وفتح الباب أمام مشاريع التوسع والتهجير.

وبذلك، لم تعد المخاطر المحيطة بالأردن مجرد احتمالات بعيدة أو قراءات قابلة للتأويل؛ بل أصبحت ماثلةً أمامنا، تستدعي أقصى درجات الوعي واليقظة والمسؤولية الوطنية. وعندما يكون الوطن أمام خطر يمس سيادته وأمنه واستقراره، فإن مساحة الاختلاف في وجهات النظر تضيق، ولا يعود الانقسام في الموقف أو الخطاب ترفًا يمكن احتماله.

إن المرحلة الراهنة تفرض علينا تعزيز جبهتنا الداخلية، ورصّ الصفوف خلف القيادة الهاشمية، والوقوف بثقة خلف جيشنا العربي وأجهزتنا الأمنية، التي تضطلع بمسؤولياتها في حماية الوطن وصون أمنه واستقراره. كما تفرض علينا مسؤولية مضاعفة في خطابنا الإعلامي والوطني، بحيث يكون خطابًا واعيًا ومتزنًا، يضع مصلحة الأردن فوق كل اعتبار، ويتصدى لمحاولات التشكيك وبث الفرقة وزعزعة الثقة بين أبناء الوطن الواحد، سواء عبر بعض المنصات الإعلامية أو وسائل التواصل الاجتماعي.

ففي الأزمات الكبرى، لا تُقاس وطنية المواقف بارتفاع الأصوات، ولا بكثرة الجدل، وإنما بقدرتها على حماية الوطن وتحصين جبهته الداخلية. والاختلاف في الرأي حقٌّ أصيل ما دام في إطار المسؤولية الوطنية، لكن حين يتعلق الأمر بسيادة الأردن وأمنه وسلامة أراضيه، فإن الثابت الذي لا ينبغي أن يختلف عليه اثنان هو أن الأردن أولًا، وأن أمنه واستقراره وسيادته خطٌّ وطني أحمر لا يحتمل المساومة أو التشكيك.

وفي مثل هذه الظروف، يصبح الوعي الوطني مسؤوليةً لا تقل أهمية عن أي مسؤولية أخرى؛ فالكلمة موقف، والإعلام أمانة، والمعلومة مسؤولية، والصمت عن خطاب الفتنة قد يكون مشاركةً في إضعاف الجبهة الداخلية.

إن قوة الأردن لم تكن يومًا في وفرة موارده، وإنما في صلابة دولته، وتماسك شعبه، ووعي أبنائه، وحكمة قيادته، وكفاءة جيشه وأجهزته الأمنية. وهذه المعادلة هي التي مكّنت الأردن، على امتداد تاريخه، من عبور عواصف كثيرة دون أن يفقد بوصلته أو يتنازل عن ثوابته.

ولذلك، فإن المرحلة لا تحتاج إلى مزيد من الانقسام، بل إلى مزيد من الوعي؛ ولا تحتاج إلى أصوات تزرع الشك، بل إلى أصوات تعزز الثقة؛ ولا تحتاج إلى خلاف يضعف الصف، بل إلى موقف وطني يجمع الأردنيين حول دولتهم وقيادتهم ومؤسساتهم. فحين يقترب الخطر من حدود الوطن، تتقدم المصلحة الوطنية على كل اعتبار، ويصبح تماسكنا قوة، ووعينا درعًا، ووحدتنا الوطنية خط الدفاع الأول عن الأردن.

مدار الساعة ـ